التواضع والاستغلال - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

التواضع والاستغلال

ملفونو يوسف بِكتاش
التواضع والاستغلال

إنّ التواضعَ فضيلةٌ إنسانية عظيمة؛ وفي الثقافة السريانية منطق بصدده: الشخص الذي يخدُم بني البشر بتواضع يكون الأقربَ من الله.  هذه الفكرة، لم تحظَ بمكانة في أوساط شتّى شرائح مجتمعنا، وجغرافية هذا المجتمع بمثابة مصدر خصب ودائم  للحضارة، وتلك الفكرة، تحتقر التواضع وتستخدمه أحيانًا وسيلةً للاستغلال.

يُعتبر القِدّيس مار أفرام النصّيبيني/السرياني (٣٠٣-٣٧٣م.) نموذجًا يُحتذى به للتواضع، وفي الوقت ذاته، مرجعية عالمية في كلّ من الثقافة والأدب السريانيين. وقد توصّل من خلال تجربته الحياتية، إلي حقيقة مفادها أنّه في الأماكن والمجتمعات، التي يتبنّى الناس فيها عقليّةَ البقرة الح ( ܐܢܗܘ ܕܐܬܡܟܟܬ ܚܫܒܘܟ ܕܠܐ ܫܘܪܐ )أي: إنْ تواضعت اعتقدوا أنّك بلا عقل.

كما حذّر مفكّر القرن الرابع عشر، ابن خلدون (١٣٣٢-١٤٠٦ م.) من استغلال التواضع قائلًا: نتيجة التواضع المُفْرط تجعلك في آخر المطاف تُصغي لمشورة بعض الأشخاص العاديين. إلّا  أنّ التواضع، في الواقع، أساسُ الحياة الحقيقية فهو يكشف لنا العالَم. القول الأكثر ملائمة عن مفهوم التواضع الذي نحتاج لتذكّره هو: إنّ الإنسان المخلوق من التراب وغير المتواضع كالتراب، يكون في الواقع قدِ ٱنفصل عن أصله وعن إنسانيته.

إنّ التصرّف وَفق منطق التواضع، بدون الإساءة والاستغلال، تجنُّب الضرر وتجنّب الأمور التي تؤدّي إليه، هو في الواقع عمل محبّة؛ إنّها المحبّة التي نشعر بها تجاهَ أنفسنا.

التواضع هو القوّة التي بها تنتظم شخصيّتنا مع روحنا؛ ومن الممكن تسمية هذه القوّة بالحقيقية، الأصيلة.   التواضع هو تصوّر ذهني ”لكي أُصْغي إليك عليَّ أنْ أُسكتَ الأنا في داخلي، أي تحجيم الأنا ووضعها في نطاق حدودها“.

التواضع لا يعني تقليصَ أو انتقاص قيمتنا، بل إنّه إعطاءُ قيمة للآخرين. والتواضع يعني أيضًا أن نفتح قلوبَنا للخليقة جمعاء بإزالة الغرور من الطريق. التواضع لا يعني التظاهر بالفوقية، لكنّه بالأحرى معرفة نقيض التوازن بين الذات والآخرين، حتّى بين الذات والمخلوقات الأُخرى. إنّ التواضع سمةُ الشخص الذي يضع الذات في المكان الصحيح. وهذه الخاصية ليست مسألة تتبع الذات بل الإصغاء إلى الهمس الإلهي الذي لا يُضاهى والمحتضن للكوْن، وأن تراجع ذاتَك.

كما قال أحد الحكماء ”كما يُظهر الظلامُ النورَ، كذلك يكشف التواضع أنوارَ الفردوس الكامنة في الإنسان“. يحظى الإنسان المتواضع بالإلهام من الحياة، من الآخرين ومن العالَم برمّته؛ وحينما يُصبح متمكّنًا يكون ملهمًا للآخرين. إنّ الروحَ المتواضعة، تنقل ذاتَها إلى مقاليد حُسن التصرّف والرحمة. وعليه فإنّ خدمةَ البشرية تُعدّ قضية شرف بالنسبة لذلك الشخص.

ملفونو يوسف بِكتاش

ترجمة من الإنچليزية إلى العربية: د. إشراق نبعة والسيّد أسد خليل

تدقيق لغوي: أ. د.حسيب شحادة


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com