قلاع الوجدان - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

قلاع الوجدان

Mlfono Yusuf Beğtaş
قلاع الوجدان

إن الإنسان ليس كائنًا يعيش بعقله فقط، بل في داخله مجال أعمق، أكثر صمتًا، ولكنه أشد قوة: الضمير.

الضمير هو نداء إلهي يتردد في أعماق روح الإنسان. وعندما يقف الإنسان بين الصواب والخطأ، فإنه قبل أن يتخذ قرارًا يؤثر في العالم الخارجي، تكون قد أُقيمت في داخله محكمة.

وهذه المحكمة هي ما يُسمّى بالضمير.

الضمير هو دليل داخلي يردع الإنسان عن الشر ويوجهه إلى الخير. غير أن هذا الدليل يحتاج إلى الحماية والتغذية لكي يبقى قويًا. ففي العالم الداخلي لروح الإنسان توجد فضائل تُعدّ بمثابة قلاع منيعة للضمير. وفي مقدمة هذه القلاع: المحبة، والاحترام، والشفقة، والوعي الرحوم، والإيثار.

المحبة هي المفتاح الأول الذي يفتح أبواب الضمير. ففي قلبٍ خالٍ من المحبة، يقسو الضمير بسهولة. وعندما لا يشعر الإنسان بآلام الآخرين، تصبح الحدود بين الصواب والخطأ ضبابية. أما المحبة فتفتح قلب الإنسان للآخرين، وتجعل صوت الضمير أكثر صفاءً.

أما الاحترام فهو الذي يحفظ حدود الضمير. فعندما يحترم الإنسان نفسه ويحترم الآخرين، يتكوّن في داخله توازن يحول دون تشتت الضمير. لأن الاحترام هو إدراك قيمة الوجود في الذات وفي الآخرين.

والشفقة والوعي الرحوم يحفظان ليونة الضمير. فعندما يدرك الإنسان هشاشة الآخرين، لا يقسو قلبه. الشفقة تُبقي الضمير حيًّا، والرحمة تجعله حساسًا. ولذلك فإن الرحمة أشبه بأنفاس الضمير.

أما الإيثار، أي القدرة على اعتبار خير الآخرين مهمًّا كخير النفس، فهو من أقوى حراس الضمير. فعندما ينشغل الإنسان بنفسه فقط، يضيق ضميره؛ أما حين يراعي خير الآخرين، فإنه يتسع ويزداد عمقًا. ومثل هذا الضمير لا يعود دليلًا للمصلحة الفردية فحسب، بل يصبح دليلًا للحقيقة.

هذه الفضائل ليست مجرد زينة للضمير، بل هي غذاؤه أيضًا. فكما يحتاج الجسد إلى الفيتامينات ليحافظ على صحته، يحتاج الضمير إلى هذه الفضائل ليقوى. فالمحبة، والاحترام، والشفقة، والرحمة، والإيثار هي بمثابة فيتامينات الضمير؛ تغذّيه وتقوّيه وتُبقيه قائمًا.

غير أن أعمق ما يغذّي الضمير هو أن يُشكّل الإنسان حياته وفق القيم والمعايير الإلهية. فالقيم الإلهية هي بمثابة بوصلة كونية توجه العالم الداخلي للإنسان. وعندما تستقر في قلبه قيم مثل العدل، والصدق، والرحمة، والأمانة، والخير، فإن الضمير يتكلم بوضوح وقوة أكبر.

وكلما عاش الإنسان وفق هذه المعايير الإلهية، نشأ في داخله نظامٌ وانسجام. وعندئذٍ لا يعود الضمير مجرد إحساس، بل يصبح دليلًا حيًّا يميّز بين الحق والباطل. أما إذا ابتعد الإنسان عن هذه القيم، فإن ضميره يبدأ بالضعف. وحين يفقد الإنسان هذا الدليل الداخلي، يصعب عليه رؤية الحق.

ومثل هذا الضمير يكون كالمحكمة التي لا قاضي لها؛ فالقوانين موجودة، ولكن لا سلطة تُطبّقها. والحقيقة موجودة، ولكن لا صوت يُعلنها.

لذلك، فإن من أهم مهام الإنسان في رحلته الروحية أن يحافظ على ضميره. فقلاع الضمير التي تحميه هي: المحبة، والاحترام، والشفقة، والرحمة، والإيثار. وأما المصدر الذي يغذّيه فهو القيم والمعايير الإلهية.

وعندما يجمع الإنسان بين هاتين الحقيقتين في حياته، تتكوّن في داخله وحدة أخلاقية متينة. وحينئذٍ لا يعود الضمير مجرد صوت داخلي، بل يصبح نورًا يضيء حياة الإنسان. وهذا النور يوجّهه ليعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين.

لأن الضمير هو أحد أثمن الأمانات التي أودعت في روح الإنسان. وما دامت الفضائل التي تحميه والقيم الإلهية التي تغذّيه حاضرة، فلن يضلّ الإنسان طريق الحقيقة.

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com