
"طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم وجدهم يقظين يعملون في حقله. حينئذٍ يشدّ سيّدهم نطاقه ويقوم هو نفسه بخدمتهم. لأنهم تعبوا معه منذ ساعات الصباح الباكر حتى وقت متأخر من المساء. سيُجلِس الآب عبيده العاملين إلى المائدة، وسيخدمهم الابن، أمّا الباراقليط، أي الروح القدس، فسيقوم بنسج تيجان المجد ويضعها على رؤوسهم."[1]
في عالم اليوم، حيث ينتشر الشعب السرياني في بقاع الأرض المختلفة، تواجه الأجيال الجديدة نوعًا مختلفًا من الامتحان الروحي والوجودي؛ فلم تعد المسألة مجرد البقاء الجسدي أو تجنّب الاضطهاد المباشر، بل أصبحت قضية الحفاظ على الذاكرة الروحية والهوية الثقافية في سياق يزداد فيه التفكك والاغتراب. فالتبدلات الاجتماعية المتسارعة، وضغوط الحياة الحديثة، وتراجع استخدام اللغة السريانية في الحياة اليومية، وضعف المعرفة بطقوس الكنيسة وليتورجيتها، إلى جانب الصعوبات المتزايدة في نقل التراث بين الأجيال، كلها عوامل تجعل ارتباط الشباب بجذورهم الروحية أكثر هشاشة وتعقيدًا يوماً بعد يوم.
ومع انحسار حضور السريانية في البيت والشارع والمدرسة، تتحول الهوية شيئًا فشيئًا إلى مجرد ذكرى احتفالية أو رمز فولكلوري، بدل أن تبقى خبرة حيّة تُعاش في الصلاة والكلمة والممارسة اليومية. ومع ضعف الصلة بالليتورجيا السريانية وبالمضامين اللاهوتية الكامنة فيها، تضيع الكثير من المعاني العميقة التي شكّلت عبر قرون طويلة وجدان الجماعة وإحساسها بالقداسة والزمان والمكان. وفي ظل الهجرة، والاندماج في مجتمعات جديدة، والضغط المستمر من ثقافات مهيمنة لغويًا وإعلاميًا، يجد كثير من الشباب السريان أنفسهم أمام سؤال صعب: كيف يمكن أن أبقى أمينًا لروحي وتراثي، وأنا أعيش في عالم لا يتكلّم لغتي ولا يفهم رموزي؟
إن التحدي الأكبر اليوم هو أن تتحوّل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة اكتشاف الجذور، عبر بناء جسور حيّة بين الماضي والحاضر، وبين النصوص القديمة واحتياجات النفس المعاصرة. فالحفاظ على الهوية السريانية لا يعني الانغلاق أو رفض العصر، بل يعني أن تُستعاد اللغة والتراث بوصفهما مصدر قوة روحية، وقدرة على قراءة العالم من منظور غنيّ ومتجذّر، لا مجرد شعور بالنوستالجيا أو الحنين. ومن هنا تأتي أهمية مبادرات التعليم، والجماعات الروحية، والمشاريع الثقافية التي تعيد دمج السريانية في حياة الناس اليومية: في البيت، في الكنيسة، في الفضاء الرقمي، وفي سردياتهم الشخصية عن من هم، ومن أين أتوا، وإلى أين يمضون.
المستقبل لا تحدّده مجرد الكثرة الديموغرافية، بل ما هو أدقّ وأعمق من ذلك: القدرة على نقل الذاكرة الأدبية، واللغة، والرموز، والمعنى إلى الأجيال القادمة. ولذلك فإن الخطر الأكبر الذي يهدّد الوجود الثقافي ليس القمع، بل النسيان. لأن النسيان هدمٌ صامت يفرّغ الهوية من داخلها ببطء وخفاء. فالمجتمع الذي يفقد ذاكرته الروحية سرعان ما يعجز عن إنتاج مفاهيمه الخاصة، ويخسر قدرته على تفسير قيمه والتفكير بلغته هو. وعندئذٍ تصبح الروحانية مهددة بالابتعاد عن اختبار التشبّه بالمسيح، وتظهر معها خطورة التحول إلى مجرد عادات متكررة.
لذلك فإن اكتشاف الإرث الروحي وفهمه ليس مجرد مسؤولية إنسانية، بل ضرورة ثقافية وتربوية واجتماعية أيضًا. وهذه المسؤولية لا تقع على الكنيسة وحدها، بل تشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجمعيات، والمؤسسات الوقفية، والباحثين، وكل من يبذل جهدًا في مجال الإنتاج الثقافي. ولا سيما الأسر، إذ ينبغي لها أن تُعرّف أطفالها على صلوات الكنيسة، وأناشيدها، ولغتها الليتورجية، وتعليمها المتمحور حول المسيح، لتكون بذلك الحلقة الأولى والأقوى في هذا الانتقال.
لأن ما يجب الحفاظ عليه ليس مجرد ميراث تاريخي فحسب، بل عالمٌ من المعنى يُشكّل الإنسان من الداخل. فالليتورجيا السريانية، بلغتها الشعرية، وبنيتها الرمزية، وعمقها اللاهوتي، ليست مجرد نمط عبادي ورثته الأجيال الماضية، بل مدرسة تعلّم الإنسان كيف يصلّي، وكيف يتأمّل في طريق المعنى، وكيف يقرأ الحياة من منظور الحكمة الإلهية. وعندما تُفهم المعاني الليتورجية وتُربط بالحياة اليومية، فإنها تتجاوز كونها طقسًا يُؤدَّى بالعادة، لتصبح خبرةً تحويلية تهيّئ الإنسان للقاء حيّ مع الله.
في ظروف الاستهلاك المعاصرة، يبدو من الصعب أن تفهم الأجيال القادمة هذا الإرث الغني وأن تتسلمه كما هو. فالإرث الذي لا يُعلَّم يُنسى، والإرث الذي لا يُعاش يبهت، والإرث الذي لا يُعرَف معناه يفقد وظيفته مع مرور الزمن. لذلك فإن مهمة أصحاب الرأي والمسؤولية في الكنيسة والمجتمع المدني اليوم هي أن يقيموا جسرًا متينًا بين الماضي والمستقبل. وأن ينقلوا الشعلة الروحية والثقافية الموروثة عن الآباء إلى الأجيال اللاحقة، لا بمجرد حفظها فقط، بل بفهمها، وعيشها، وإعادة تفسيرها بلغة العصر على نحو أكثر وعيًا.
في الثقافة السريانية، ولا سيما في الكنيسة وأثناء العبادة، لا تُعدّ الأناشيد مجرد نصوص ذات قيمة أدبية. فهي تنقل، في كثير من الأحيان بالقليل إلى القليل، وبالوجيز إلى المختصر، وبالمعنى إلى اللفظ، ثم باللفظ إلى الذهن والنية والاتجاه، عبر أمثلة ملموسة وواضحة. ومن هذه الناحية، تُعدّ الأناشيد تعليمًا روحيًا يحمل معاني عميقة في شأن التملّك المطلق، ويهدف في شأن الوعي بالأمانة إلى التعليم والتحويل والنضج. والغاية الأساسية من الأناشيد المصاغة بأسلوب تعليمي هي أن تلتقي الاضطرابات الذهنية والجوانب المرضية في الطبيعة البشرية مع حكمة الروح الشافية.
والهدف هو إبقاء الروح، الذي هو سبب وجود الإنسان، قويًا وفعّالًا. وأن يتجاوز الإنسان الروابط المادية والشهوات الدنيوية، فيُوقَظ أولًا إلى حقيقته هو، ثم إلى الوعي العميق الذي سيقيمه مع الآخرين. وأن ينعكس هذا اليقظة في كل مجالات الحياة، بحيث تتحول إلى عيشٍ ينتج الخير والفضيلة والمنفعة المشتركة. وهكذا لا يعود الإيمان مجرد عادة عادية قائمة على الحفظ والتلقين، بل يتحول إلى نمط وجود واعٍ ومغيِّر للحياة.
فالإنسان، بروحه وجسده وعقله وقلبه وضميره ومنطقه ومشاعره، كيان واحد غير قابل للتجزئة. وإهمال أحد هذه الأبعاد أو التضحية بأحدها لصالح الآخر يضرّ بوحدة الإنسان. والتقليد الروحي السرياني يهدف، من خلال هذه الأناشيد الأدبية، إلى حفظ هذه الوحدة وإيصال الإنسان إلى نضج الحقيقة. لأن الإيمان الحقيقي ينبغي ألا يغيّر فقط ذهنية الإنسان، بل أيضًا شخصيته وبرنامجه الداخلي، أي حياته.
لهذا السبب تهدف الأناشيد السريانية إلى رفع ذهن الإنسان، وحواسه، وطبقات وعيه السفلى والعليا، إلى نور الحكمة الإلهية. والغاية النهائية هي أن تقود الإنسان إلى حياة مسؤولة وأخلاقية، تسودها المحبة والتعاطف. وهكذا يُدعى الإنسان إلى التخلّص من الأنانية، والكبر، والرغبة في التملّك المطلق، والميل إلى التفريق والإقصاء. وبذلك يُفتح أمام الإنسان المنكسر، والمتعب، والذي يبحث عن غصن يتعلق به، أفقٌ جديد للمعنى. لأن الإيمان حين يقترن بالفضيلة، يرفع الإنسان إلى مقام النضج في الأخلاق والضمير.
إن التقليد الليتورجي الغني للكنيسة السريانية يحقق هذا التعليم الروحي غالبًا من خلال الأمثال. وهذا التقليد، الذي يتخذ من منهج المسيح في التعليم مثالًا له، يستخدم رموزًا ذات عمق فلسفي واجتماعي. ويعيد تكرارها باستمرار في الصلوات والطقوس عبر الأناشيد. وليس هدف هذا التكرار مجرد إبقاء الذاكرة حيّة، بل إبقاء العالم الداخلي في حالة يقظة دائمة، وتوجيهه نحو الحق. لأن الرموز والايحاءات الموجودة في الأناشيد تهدف إلى نقل الإنسان من المسارات الثانوية إلى الطريق الرئيس المؤدي إلى الحقيقة، وإلى تحقيق الاستنارة الشخصية بنور المحبة الإلهية.
غير أن قسمًا مهمًا من هذه الأناشيد يُقرأ في كثير من الأحيان على سبيل العادة، من دون إدراك المعاني العميقة التي يحملها. ومع ذلك، فإن التكرار الذي لا يُدرَك معناه يفقد روحه مع الزمن. وهذا أمر مؤسف ومثير للتأمل في آنٍ معًا. ومن هنا جاءت هذه الدراسة بوصفها ثمرة لهذا الأسف وهذا التساؤل.
لأن كل ما نملكه، بما في ذلك روحنا، قد أُعطي لنا على سبيل الأمانة. فالمعرفة، والحكمة، والخدمة، والقدرات، والمنصب، والمكانة، والقوة المادية، وحتى الحياة نفسها، كلها أمانات من الله لنا. ولسنا مكلّفين بأن نترك هذه الأمانات لرحمة النفس وشهواتها الأنانية. إذ إن جوهر الإنسان ليس في التملك، بل في أداء حق الأمانة. وقيمة الأمانة الحقيقية لا تُقاس بمدى ما نملكه، بل بمدى قدرتنا على تحويل ما أُؤتمنّا عليه إلى خير، وعدل، ومنفعة مشتركة.
ومن هذا المنظور، فإن الثقافة التي لا تفكر بالمفاهيم الجوهرية، ولا تفهم رموزها، ولا تستطيع تفسير ميراثها الروحي، لا تملك ما تقوله بقوة لا للأجيال القادمة ولا لمن حولها.
الحقيقة المعلَنَة كلَّ يوم على المائدة
يتناول هذا العمل أيضًا، انطلاقًا من الصلاتين اللتين يقرؤهما الراعي الروحي، أي الكاهن، قبل الطعام وبعده، حقيقة أن الملكية المطلقة لا تعود إلا لله وحده. لأن هاتين الصلاتين تذكّراننا كل يوم بالحقيقة نفسها: إنّ ما نظنّه لنا ليس في الحقيقة لنا. فنحن لسنا المالكين الحقيقيين لأي شيء؛ بل إن كل شيء قد أُعطي لنا على سبيل الأمانة لفترة مؤقتة، لا أكثر.
ويخاطب القديس بولس، أولئك الذين يفتخرون بما لديهم من قدرات وإمكانات، وبالتالي يتكبرون، قائلًا: «مَن يميزك عن غيرك؟ وما الذي عندك ولم تكن قد أخذته؟ فإذا كنت قد أخذت الكل، فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟» (1 كورنثوس 4: 7).
وعندما ندرك هذه الحقيقة ذهنيًا وروحيًا، فإن نظرتنا إلى الحياة ستتغير جذريًا. عندئذٍ سنصبح آباءً أكثر ضميرًا، وأمهاتٍ أكثر رحمة، وتجارًا أكثر أمانة، ومعلمين أكثر عدلًا، وكتابًا أقوى قلمًا، وكهنةً أكثر تواضعًا، ورهبانًا أكثر مسؤولية، ومطارنةً أكثر حكمة، وسياسيين أكثر فضيلة، وأطباءَ أكثر أخلاقًا، ومحامين أكثر نزاهة، ومبرمجين أكثر وعيًا، ومتطوعي مجتمع مدني أكثر تضحية، ومواطنين أكثر مسؤولية.
ومن جهة أخرى، فإن الصلاتين اللتين تُتليان في الكنيسة السريانية قبل الطعام وبعده ليستا مجرد طقسٍ للطعام أو تعبيرٍ تقليدي عن الشكر. فهاتان الصلاتان اعتراف إيماني عميق يوجز الله والإنسان والخليقة في بضع جمل. ومع الجلوس إلى المائدة، فإن الصلاة الأولى التي يتلوها الشخص الروحي نيابةً عن جميع[2] الآكلين قبل الطعام تجعل الإنسان يرى نفسه لا بوصفه مالك النعمة، بل متلقّي النعمة الإلهية؛ أما صلاة الشكر بعد الطعام فتعيد التذكير بالمصدر الحقيقي للنعم التي تم تناولها. وهذا التذكير بحد ذاته يعني وعيًا ومسؤولية.
تبدأ الصلاة الأولى بعبارة: «يا إلهي! هذه المائدة التي أعددتها لعبيدك الساجدين لك»[3]. وهذه العبارة شديدة الدلالة. لأن الصلاة لا تنظر إلى المائدة باعتبارها نعمة صنعها الإنسان، بل باعتبارها نعمة أعدّها الله لعبيده. قد يحرث الإنسان الأرض، ويزرع البذرة، ويبذل جهده؛ لكن الذي يمنح الأرض خصبها، ويُنبِت البذرة، ويُنزِل المطر، ويحفظ الخليقة كلها قائمـة هو الله ذاته. لذلك فصاحب المائدة الحقيقي ليس الإنسان، بل الله. ومهما كان مقام الإنسان، فإنه حين يقترب من هذه النعم الإلهية الممنوحة له بروح أمينٍ صادق، يستطيع أن يبلغ بسهولة أكبر ذلك الامتلاء الداخلي الذي يشتاق إليه. كما يمكنه أيضًا أن يكون أكثر اتزانًا واعتدالًا في العالم الخارجي.
وفي تتمة الصلاة يُطلَب أن تُغنى المائدة بـ«الإشباع، والإرواء، والبركة، والوفرة». لأن النعمة في التقليد السرياني ليست مجرد الأطعمة الموجودة على المائدة. بل النعمة الحقيقية هي البركة الواهبة للحياة التي يضعها الله في تلك الأطعمة. والبركة لا تعني الكثرة، بل تعني تجلّي رحمة الله وفضله على النعمة. لذلك فإن الصلاة لا تطلب اللقمة اليومية فحسب، بل تطلب الرحمة الإلهية التي لا تنفد.
أما صلاة الشكر التي تُتلى بعد الطعام[4]، فهي تُوجِّه انتباه الإنسان من النعمة إلى صاحب النعمة، أي إلى المصدر الحقيقي. فعبارات مثل: «الحمد لله على إحسانه. الحمد لله الذي يطعمنا[5]. الحمد لله الذي يشبعنا. الحمد لله الذي يهبنا الحياة» هي أسلوب مقصود في لغة العبادة السريانية. وكل تكرار منها يعلّم النفس هذه الحقيقة: «أنا لا أعيش لأنني عملتُ وربحتُ، بل لأن الله أبقاني حيًّا فأنا أعيش».
والشكر هنا لا يتوجه إلى الطعام فحسب، بل إلى الحياة نفسها. لأن الإنسان قد يأكل الخبز، لكن الذي يمنح ذلك الخبز القوة للجسد، والحياة للدم، والحيوية للروح، هو القدرة الخالقة لله. ولهذا ففي اللاهوت السرياني يُرفع الشكر ليس فقط من أجل الخبز، بل أيضًا من أجل القدرة الإلهية التي تُبقي الإنسان حيًّا. وبهذا يُحفظ الروح دافئًا، حيًّا، ومفعمًا بالحيوية؛ كما يُذكَّر كذلك نظامُ الاحتياج المتبادل القائم في الكون. والناس الذين ملأوا فراغاتهم الداخلية واكتشفوا ذواتهم الروحية يساهمون في هذا النظام بملء الإرادة الحرة والفرح، وفي الوقت نفسه يكونون قد نمّوا المواهب المودعة لديهم وصقلوها وأضاءوها.
وعليه، فإن هاتين الصلاتين اللتين تُتليان على المائدة تكشفان تعليمين أساسيين في الإيمان: الملكية المطلقة ووعي الأمانة. فالملكية المطلقة تعود إلى الله وحده. فهو الذي أوجد الخليقة كلها، ويحييها، ويحفظها قائمة. أما وعي الأمانة فهو كل ما وهبه الله لنا نحن البشر. لأن الأرض وما فيها كلها له. والإنسان ليس مالكًا لهذا الملك الإلهي، بل أمينًا مسؤولًا عمّا أُودع إليه من نِعَم.
ولهذا فإن الكنيسة، قبل الطعام، تطلب بركة النعمة أكثر مما تطلب مجرد النعمة نفسها، وبعد الطعام تشكر صاحب النعمة أكثر مما تشكر النعمة ذاتها. وبهذا يُجدَّد في كل مائدة هذا الاعتراف بالحقيقة: الحياة لله، والخبز لله، والبركة لله، والملك لله. أما الإنسان، فهو كائن يحيا برحمته، ويتغذى بنعمه، وهو مكلَّف أن يشكره. هذا الإيمان يخرج بالمائدة من كونها مجرد مكان يُشبَع فيه الجسد، ويجعلها لقاءً مقدسًا تُختبَر فيه السخاء الإلهي، ويُتعلَّم فيها الشكر، وتُجدَّد فيها الأمانة.
الكرم والكرّام (متى 21: 41)
إن مثل الكرْم الذي رواه المسيح ليس قصة تاريخية قيلت منذ ألفي عام وانتهى أمرها. بل هو حقيقة حيّة ينبغي أن تُقرأ وتُفهم من جديد في كل عصر. إنه يحمل معاني عميقة تُذكِّر الإنسان بحدوده، وتجعله جزءًا من كُلٍّ أكبر، كما أن البقاء في المسيح، والعيش في محبته، وتقديم ثمار هذا الارتباط إلى الحياة، كلها معانٍ تُوقظ الإنسان على وعي حدوده وعلى انتمائه إلى أفق أوسع. وكل قائد، وكل مؤسسة، وكل كنيسة، وكل جماعة، وكل مُرشد روحي يريد فهمه، ينبغي أن يرى نفسه أولًا في مرآة هذا المثل. لأن المسيح قد قدّم رسالته الإلهية بأمثلة من الثقافة المحلية، وبأسلوب بسيط يفهمه الناس. ولو لم يفعل ذلك، لكان فهم رسالته أصعب بكثير.
لذلك، أجرؤ على تأويل الاستعارة المتكررة في الليتورجيا الكنسية، وهي استعارة «الكرم»، من خلال الكرم والكرّام. وهدفي هو أن أعبّر عن المعاني الأخلاقية لهذه الرموز، وأن أذكّر بماهية العطايا الإلهية، ووعي الأمانة، والملكية المطلقة، وأن أُبرز مسؤولية الإنسان أمام هذه الحقائق دون اعتبار للفارق في المقام أو المنزلة.
فإن مثل الكرم ليس مجرد مواعظ أخلاقية فحسب. بل هو تعليم متعدد الأبعاد يعبّر عن كون الإنسان في شركة حيّة مع الله، وأنه يتغذّى من هذه الشركة، ويُظهر هذه الحياة بثمار ملموسة. وهذا التعليم يحتل مكانة قوية أيضًا في التقليد الكنسي السرياني. ففي تفسيرات آباء الكنيسة، يرمز الكرم إلى الحياة أو إلى الكنيسة، بينما يرمز الكرّام إلى محبة الله التي تواصل التعليم والتحويل والتغيير. ولهذا يُعدّ الكرم رمزًا حيًّا للنضج الروحي. كما يُنظر إلى الإنسان نفسه بوصفه كنيسة؛ وبذلك يتسع معنى الاستعارة أكثر، ويتعمّق ويزداد غنى.
وعندما نتأمل في مثل الكرم الوارد في الإنجيل والذي تحوّل إلى أناشيد، ندرك أن المهام التي نتولاها في الكنيسة، أولًا، وفي كل مجالات الحياة، هي في حقيقتها نوع من العمل في الكرم. فنحن لسنا الكرم ذاته، ولا نحن مالكه. مالك الكرم هو الله؛ وهو الكرّام. أما نحن فمجرد عمّال مجتهدين نعمل في كرمه.
وإذا كان صاحب الكرم هو الله، فإن الكرّام هو الشخص المسؤول عن حماية الكرم، وتطويره، وضمان إثمارِه. وكلما قُدِّر للكرم أن يُعتنى به ويُفلَح، ازداد إثمارًا وجمالًا. غير أن أخطر ما يواجه الإنسان هو أن ينسى، حين ينال السلطة والمنصب، أنه أمين، فيبدأ ذهنيًا في اعتبار نفسه مالكًا للكرم. فذلك وضع شديد الخطورة وسامّ. لأن الفساد الحقيقي والانحراف يبدأان من هنا. فعندما يحلّ شعور التملّك محلّ وعي الأمانة، تدخل السمّية السلطوية والكبر إلى النفس. فيميل الإنسان إلى الهيمنة بدل الخدمة، وإلى الاستحواذ بدل الحفظ.
ورغم أن مفاهيم مثل الكرم والكرّام تُذكر يوميًا في الصلوات والأناشيد، فإن معانيها، للأسف، لا تُستبطن كما ينبغي، ولا تنعكس على الحياة. وفي تقديري، فإن كثيرًا من الأزمات التي نعيشها اليوم، سواء في الكنيسة أو في الحياة الاجتماعية، تعود في أصلها إلى أن هذه التعاليم لا تجد ترجمتها العملية ولا تُعاش كما يجب.
إن الباعة الأشرار الذين تحدث عنهم المسيح ليسوا أناسًا يخرّبون الكرم عمدًا. بل كانوا هم أيضًا يظنون أنهم يحافظون على الكرم. لكنهم نسوا المالك الحقيقي للكرم، وحوّلوا الأمانة إلى مُلك، وبدأوا الطغيان. وهذا كان أعظم خطاياهم.
واليوم سيكون من الخطأ الكبير أن نقرأ هذا المثل على أنه مجرد تحذير صارم موجَّه إلى النظام القديم في العهد القديم. لأن كلمة المسيح هي تحذير إلهي موجَّه إلى كل عصر، وكل حياة، وكل كنيسة.
واليوم يقف السؤال نفسه أمامنا جميعًا: هل نحن ندير كرمنا حقًا بروح الأمانة، أم أننا نتركه تحت ظلّ تقاليدنا، ومؤسساتنا، ومناصبنا، وحساباتنا الشخصية، وطموحاتنا؟
الكرم، بالمعنى الروحي، هو الحياة؛ هو الكنيسة. الكرم هو الإنسان؛ هو الشباب، والأطفال. هو اللغة الأم، والشعب، والأسرة، والأخ. الكرم هو القلب العطشان إلى محبة المسيح. الكرم هو كل مجال أُؤتمنّا عليه ومُكلَّفون بالخدمة فيه. هو القرية والمدينة التي نعيش فيها. هو أرضنا ووطننا الأم.
إذا لم يُثمر الكرم، فلا ينبغي أن نُسائل الكروم، بل العاملين في الكرم.
والمؤلم أن الإنسان حين ينشغل بترميم جدران الكرم، قد لا ينتبه إلى أن الكروم نفسها قد بدأت تجف. وهو حين يحاول إبقاء القشرة حيّة، يهمل الإنسان. وحين يسعى إلى حماية الماضي، يعجز عن رؤية المستقبل. وحين يدافع عن الهوية، يهمل الروح…
إن ما يطلبه المسيح ويسعى إليه ليس سوى الخدمة والثمر؛ ثمر الأخلاق، وثمر المحبة، والاحترام، والتقدير، والرحمة، والضمير، والتضامن. وثمر الخير، والعدل، والفضيلة، والفهم، والوعي، والوحدة، والتواضع…
فإن لم تكن هذه الثمار موجودة، فمهما بدا ظاهر الكرم جميلًا، فإن صاحب الكرم عندما يأتي، سيعود خالي اليدين. وقد يفكر في أن يأخذ الكرم منا.
وكم يسهل إضفاء الشرعية على التنازلات الصغيرة… فهنا نقص بسيط في الأمانة يُرى كأنه غير مهم، وهناك طريق مختصر يُلجأ إليه بحجة أن أحدًا لن يلاحظ… غير أن موقف الإنسان من الأمور الصغيرة يكشف عن شخصيته في الأمور الكبيرة ويشكّلها. لأن الأمانة ليست فضيلة نرتديها في اللحظات المهمة فقط. بل هي شخصية تُبنى في اللحظات العادية التي لا يرانا فيها أحد، ولا يصفق لنا فيها أحد، ولا يطلب منا أحد حسابًا. فالإنسان لا يصنع هويته الحقيقية بما يُظهره أمام الجموع، بل بما يتخذه من مواقف أو قرارات حين يكون وحده. وقد شرح المسيح هذا بقوله: «الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير» (لوقا 16: 10).
إن الحاجة الأكبر اليوم ليست إلى مبانٍ جديدة فحسب، بل إلى قلوب جديدة تنبض بهذه الحساسيات. لا إلى مزيد من الاستعراض، بل إلى مزيد من روح الخدمة. لا إلى مزيد من الجدل، بل إلى مزيد من ثقافة الإصغاء. لا إلى مزيد من التفاخر، بل إلى مزيد من النقد الذاتي والتوبة.
لأن الكرم لا يزدهر من جديد إلا بثقافة المواجهة وبوعي التوبة.
إن قول المسيح: «سيُؤخذ منكم الكرم ويُعطى لمن يثمر ثمره» هو تحذير قوي. فالله لا يحكم بحسب اللقب أو النسب. إنه ينظر إلى الثمر. ولذلك فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل نحافظ فعلًا، بروح الأمانة الصادقة، على الأمانات التي ورثناها عن آبائنا: الكنيسة، واللغة، والثقافة، والأخلاق، والضمير، والإنسانية، دون أن نقع في الكبر أو المنّة؟ وهل نُجدّدها ونطوّرها وننقلها إلى الأجيال القادمة على نحو يثمر الثمار التي يريدها المسيح؟
لأن الميراث لا يُحفظ فقط؛ بل يُحيا. والميراث الذي يُحيا يعطي ثماره في كل جيل. وأما الذين يقودون هذا المسار، فإنهم ينالون - كما ورد في أنشودة «Tubayhun l-Abde Ṭobe» - أن يلبسوا تاج المجد والطمأنينة والسعادة.
لذلك يجب أن نسعى إلى أن نكون عمّالًا أمناء في الكرم، كي لا يُنتزع من أيدينا. وينبغي ألا ننسى أبدًا المالك الحقيقي للكرم، بل أن نؤدي مسؤوليتنا في الكرم بأمانة. لأن لا شيء لنا، وكل ما نملكه قد أُودع إلينا على سبيل الأمانة. والأمانة لا تتحول إلى بركة إلا إذا حُمِلت بالثقة، والتعاطف، والوفاء، والتواضع.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
[1] هذه الترنيمة، التي تحمل اسم Tubayhun l-Abde Ṭobe، تُعَدّ من الروائع الترانيمية التي يُترنَّم بها في الكنيسة كثيرًا في مناسبات مختلفة، لما تحمله من معانٍ عميقة. وهي، بأبعادها المادية والروحية، تعبّر بعبارة موجزة عن فلسفة حياة انتقلت من الماضي إلى الحاضر. وقد ترجمتُ هذه الترنيمة إلى اللغة التركية لما فيها من نفعٍ عام، وأثبتُّها هنا لتكون مصدرًا أساسيًا لهذا العمل.
[2] صلاة قبل الطعام: يا إلهي! بارك هذه المائدة التي أعددتها لعبادك الساجدين لك، بتغذيتها، وإشباعها، وبركتها، ووفرتها. أغنِ هذه المائدة بنعمك التي لا تنفد وبركاتك التي لا تنقص. لأنك أنت الذي تُظهر الشفقة والرحمة لجميع الخليقة. باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.
[3] تُتلى الصلاة التي تُقال قبل الطعام وبعده على يد البطريرك، أو المفريان، أو المطران، أو الكاهن، أو الراهب.
[5]الصلاة بعد الطعام: الحمد لله على إحسانه. الحمد لله على بركاته. الحمد لله الذي يرزقنا بإحسانه. الحمد لله الذي يطعمنا. الحمد لله الذي يشبعنا. الحمد لله الذي يمنحنا الحياة. الحمد لله الإله الرحيم. لتكن رحمته معنا الآن، وفي كل حين، وإلى دهر الدهور، بصلوات والدة الإله وجميع القديسين، آمين.
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment