بوصلة المعرفة: العدل والرحمة - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

بوصلة المعرفة: العدل والرحمة

Malfono Yusuf Beğtaş
بوصلة المعرفة: العدل والرحمة

المعرفة هي الشعلة الأكثر إشراقًا التي أُنعم بها على البشرية؛ فبدونها، كانت جذور الحضارة كشجرة لم تلمس تراب الأرض بعد، ضعيفة وهشة. لكن نور هذه الشعلة قد يحرق أيدينا أحيانًا بدلاً من أن يضيء دروبنا. والمعرفة كذلك؛ ليست خيرًا ولا شرًا في ذاتها، بل قوة محضة. ما يُعلو بها أو يُفسدها هو اتجاه الضمير الذي يحملها.

المعرفة المُحرَمة من العدل والرحمة تخدم الأنانية والمكر أكثر مما تخدم النفع.

من أراضي بلاد الرافدين الخصيبة القديمة، تتسرب حكمة السريان إلينا لتُعلّمنا أن المعرفة ليست مجرد تراكم عقلي، بل مسؤولية روحية كذلك. لا تُنتج المعرفة فائدة حقيقية ولا تُرفع المجتمع إلا إذا بُنيت على عمودين أصيلين: العدل والرحمة.

ظلال النور: العدل

العدل هو الحد الفلسفي الأول الذي يحدد مكان وقوف المعرفة وما تخدمه. المعرفة المُحرَمة من العدل كالمطر الذي لا يهطل على الأرض؛ يروي صاحبه فحسب، ويترك الباقين عطاشى.

حين يرى الطبيب معرفته في المريض بابًا للربح، ويستخدم المهندس علمه للثراء الشخصي فحسب، ويتحول علم الفيلسوف إلى درع للتعالي، ويفكر رجل الدين أو الإداري أو السياسي في مصلحته الخاصة فقط؛ تفقد تلك المعرفة صفة الحقيقة. إذ صارت ترى الآخر أداة لا غاية.

العدل يتطلب الإيثار. استخدام المعرفة لتوسيع منطقة الراحة الشخصية فقط يُلوث روح المعرفة. فتُفسد، وتُدْبر ظهرها لقيم المجتمع المشتركة، وتصبح خادمة للمكر لا محالة. والمكر إلا استخدام المعرفة لإخفاء الحقيقة، والحصول على ميزة، وبناء تفوق غير مبرر؟ أما المعرفة الحقة فتطالب بالشفافية والصدق.

طاقة القلب: الرحمة

إن كان العدل محور المعرفة الرأسي، فالرحمة طاقتها الأفقية الشاملة. الرحمة هي النَفَس الروحي الذي يُدْخِل دفء الإنسانية إلى بحر المنطق الجاف. في الفكر السرياني، المعرفة والحب ليسا متنافسين، بل مكملان لبعضهما. القلب هو القوة التنفيذية التي تحول قوانين العقل إلى فعل؛ فإذا برد القلب، صار العقل طاغية.

الرحمة تُنقِذ المعرفة من قفص الأنانية الضيق الخانق. ولو بلغت المعرفة أعلى مراتبها، تبقى الإنسان متواضعًا بفضل الرحمة. لا يرى نفسه متفوقًا؛ لا يحول علمه إلى أداة للهيمنة. بل يستخدم إدراكه لتسكين الألم حوله ولتخفيف الصعاب.

أما المعرفة بلا رحمة فتغدو أنانية متعالية. تقول "أنا الأعلم" وتفرض نفسها على الآخرين. حين تسحب المعرفة صاحِبَها إلى الكبر، تصبح "كبيرة" لا "خيّرة". والمعرفة الكبيرة لكن الفقيرة روحيًا لا تُفيد المجتمع، بل تُقَوّي جدران الأنانية.

امتحان المعرفة

المعرفة تخلق النور والظلام معًا. فائدتها معلقة بإرادة حاملها الأخلاقية. حين نُوازِنُها بميزان العدل ونَخْلُطُها بدفء الرحمة، تنتج فائدة حقيقية. وإلا صار بحثنا عن الحكمة عرضًا محكومًا بظلال المصلحة الشخصية والمكر.

الحكيم الحقيقي لا يُعْرَف بكم ما يعرف، بل بأي فضيلة يَعْجِنُ به علمه. لا يرتدي فقط بحجمُ معرفته، بل الغاية والنية التي يستخدم بها نورَها. فالمعرفة لا تفتح أبواب الفائدة للإنسان وللعالم إلا إذا وَزَنَتْها العدل وأحيَتْها دفء الرحمة.

إذ المعرفة نور الوجود وامتحانه معًا. المعرفة التي لا تمرّ بميزان العدل ولا تُلَيِّنُها لمسة الرحمة تُكَبِّرُ العقل فحسب؛ وتُجَفِّفُ الروح. أما الحكمة فتَزْهُو متجاوزة مكر العقل، ثمرة سلام عميق بين العقل والقلب.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com