
الإنسان، بِإرادته ووعيه، يملك القدرة على أن يكون مرآةً لِنورِ الحياة، فيعكسه في سلوكه، واختياراته، وعلاقته بالوجود. ولكن متى استكَنَّت إرادته وارتخَتْ، صارَ روحه يبتعد عن جوهره. والارتخاء لا يُعدّ ذنبًا وحده، بل ضياعًا للإمكان الذي يحمله، وحرمانًا من النِّعَم التي تُقدَّم في مجرى الحياة.
أظهرُ الأضرار التي تُولِّدُها الرَّخَاوة هي الكَسَلُ.. فالروح الكسولُ أسيرُ شهواته وطمعِه في السهولة، يُمضي وقتَه في فراغاتٍ بلا هدف، ويفوّت الفرصَ دون أن يشعر بها. فهو لا يعيشُ النِّعم، بل يمرّ عبرها كالمارِّ في عُجالة، فلا يراها، ولا يحسّ بها، ولا يُدركها. وهذا الكسل يُعَطِّلُ تطورَ الإنسان داخليًا واجتماعيًا، فيُضعف مَواهِبه، ويُخَدَّرُ وعيَه، ويجذب الروحَ إلى الظلام.
أما الانضباط والنشاط، فهما جوهر الروح وقوته. فالبناءُ الأخلاقي الثابت، وسلامةُ الإرادة، وعملُ الدقة والعناية، تقرّب الإنسان من الله، وتجعله أقرب إلى جمال الخلق في ذاته وخارجَه. النشاطُ يُحيي الروح، ويُنسّق بين العقل والوجدان، فيجعل كل خطوةٍ تُرسّخُ النظامَ الداخلي، وكل عملٍ يُظهِرُ قيمةَ النعمةِ الحقيقية.
الحياةُ المُنظَّمةُ بالانضباط، لا تُغذِّي الإنسان وحده، بل تُغذي محيطَه ومجتمعَه أيضًا. فالروحُ الذي يحملُ إرادةً ثابتةً، يُعمّقُ بركةَ حياةِ نفسه، وحياةِ الآخرين. حين تُجتمعُ النعمةُ مع الانضباط والنشاط، يُغذّي الروحَ، ويُضيءُ نورَه الداخلي، ويجعلُ كل لحظةٍ في الحياةِ ذاتَ معنى.
باختصار، بلا مشاركةٍ حقيقيةٍ للروح، وبلا تأديبٍ داخلي، لا نستطيع أن نُدركَ معنى النعم وقيمتَها. فالارتخاءُ، والكَسلُ، وغيابُ الإرادة يُضعفان الروح، في حين أن الانضباط، والإرادة، والنشاط، يُثَرّيان الروحَ والحياةَ معًا. ما دام الإنسانُ يعود إلى ذاته ويُقوّي إرادتَه، يُمكنه أن يرى نورَ الحياة، ويتذوّقَ بركةَ النعمة، ويكشِفَ قدرَةَ روحه ويفعّلَها.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment