
من أجل معالجة الأمراض الجسدية، يقوم الأطباء، أثناء العمليات الجراحية، بتخدير الجسد. لأن الجسد يشفى بالصمت.
أما الإنسان، لكي يبلغ حياةً أكثر صحةً، وأكثر معنى، وأكثر إنتاجًا، وأكثر امتلاءً، فإنه يحتاج إلى جراحةٍ للروح. وجراحة الروح لا تتم بالتخدير، بل بالاستيقاظ.
ذلك أن الإنسان، ما لم يتحرر من ذاته القديمة الزائفة، الملوَّثة، الساكنة، التي تميل إلى أن تكون موضوعًا؛ فلن يبلغ ذاته الجديدة الحقيقية، النقية، الفاعلة، التي تختار أن تكون ذاتًا. ومن دون تحقق هذا الانتقال، لا يمكن الحديث عن ثورة داخلية.
ولهذا فإن الإنسان محتاج إلى ثورة في المعنى، وثورة في الإدراك، وثورة في الرحمة والشفقة، وثورة في الخبز والكلمة، وثورة في الحقيقة. وباختصار، هو محتاج إلى أن يُدرِك ويستوعب كل ما يُقال إدراكًا عميقًا.
وما لم تتبرعم هذه اليقظات وهذه الثورات في العالم الداخلي للإنسان، فلن تتحقق الجراحة الحقيقية للروح.
ومن ثمّ، فإن الإنسان محتاج إلى التعمّق في المعنى، وإلى الصفاء في الإدراك، وإلى التكاثر بالرحمة والشفقة، وإلى المشاركة في الخبز، وإلى النطق بالحقيقة في الكلمة، وأخيرًا إلى أن يرسخ في الحقيقة.
لأن الحقيقة لا تتجلّى على السطح، بل في العمق الذي يُدرَك ويُستوعَب.
وما لم تنبت هذه اليقظات في باطن الإنسان، وما لم تتجذر هذه التحولات في أعماق الروح، فلن تقع «الجراحة الروحية» الحقيقية.
لأن الإنسان لا ينمو بالدفاع عن نفسه، بل بمساءلة نفسه. ولذلك، لا بد للإنسان أن يعود إلى ذاته، ويكتشفها، ويعرفها. وهذا لا يُشترى بالمال ولا بالماديات، بل يُكتسب بفهم الحياة والثقافة السريانية فهمًا عميقًا؛ وبالوعي، والجهد، والانضباط، والأخلاق، والتهذيب، والأدب، والصبر، وبسعي عظيم ممزوج بكل ذلك.
إن ثمنه باهظ جدًا. فهو يقتضي الدخول إلى النور، ورؤية «غير المرئي» في المرئيات. ويقتضي التخلي عن وهم المعرفة، ومعرفة أننا لا نعرف. ويقتضي إدراك المعروف حق الإدراك، من أجل تعلّم المجهول.
والوصول إلى ذلك المنبع يقتضي التطهر من الطين. ويقتضي فعل الصواب بروحٍ صائبة، والعيش به.
ويقتضي الإيمان الصادق بالقول: «المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم» (كولوسي 2: 3).
إن عملي السرياني الأخير الموسوم «Sawto d-Mardutho ܨܰܘܬܳܐ ܕܡܰܪܕܽܘܼܬܳܐ / صدى الثقافة» إنما يهدف إلى خدمة هذا الاستيقاظ؛ إذ يجمع بين العالم المفاهيمي العريق والعميق للغة السريانية، وبين اللغة الأدبية الرفيعة، ساعيًا إلى الإسهام في خدمة اللغة، وإطلاق نداء قوي نحو جراحة الروح.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment