يوسف بغتاش – حارس اللغة، وجسر التواصل الثقافي، وكاتب التحوّل الداخلي
تقدير مثقفينا ومفكرينا في حياتهم، لا بعد رحيلهم -
دنهـو بارموراد – أوزمن
المقدمة
ثمة ظاهرة متكررة وإشكالية في تاريخنا الثقافي الحديث، تتمثل في أننا غالباً ما نكون أكثر قدرة على تقدير كتّابنا ومعلمينا ومثقفينا وبناة مجتمعنا بعد وفاتهم، مقارنة بما نظهره من تقدير لهم في أثناء حياتهم. فكثيراً ما لا ندرك أهمية منجزاتهم إلا بعد أن تكون مسيرتهم الفاعلة قد انتهت، في حين نتعامل معهم خلال حياتهم أحياناً بشيء من التحفظ أو الانقسام أو النقد.
وفي الوقت نفسه، برز ميل إلى منح الباحثين والكتّاب من خارج بيئتنا الثقافية سلطة معرفية أكبر من تلك التي تُمنح للأشخاص الذين ينتمون إلى البيئة الثقافية نفسها التي يدرسونها. ولا يعني ذلك التقليل من القيمة العلمية للباحثين الخارجيين؛ فعلى العكس، يمكن لنظرتهم أن تسهم في توفير المسافة المنهجية وإضاءة جوانب جديدة من الموضوع. غير أن الشخص الذي نشأ داخل البيئة الثقافية التي يدرسها يمتلك أيضاً معرفة قائمة على التجربة المباشرة، وفهماً للفروق اللغوية الدقيقة والذاكرة الجماعية والسياقات الاجتماعية التي لا يمكن دائماً إدراكها من خلال الأرشيف أو الملاحظة الخارجية وحدهما.
لذلك، ينبغي ألا يُنظر إلى المنظور الداخلي والمنظور الخارجي باعتبارهما متعارضين، بل باعتبارهما منظورين متكاملين. وتكمن المشكلة عندما تُعامل المعرفة المستمدة من التجربة الداخلية تلقائياً على أنها أقل مصداقية. عندئذ يخاطر الشعب بالوقوع في حالة من التبعية الفكرية، بحيث يصبح الآخرون أصحاب السلطة في تفسير تاريخه وثقافته وهويته.
الصدمة التاريخية والثقة الثقافية بالذات
يمكن البحث عن أحد التفسيرات المحتملة لهذا التوجه في التجارب التاريخية التي مر بها الشعب السرياني الآشوري، بما فيها الاضطهاد والعنف الجماعي والإبادة والتهجير القسري ومحاولات الصهر الثقافي والتهميش المستمر. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم الصدمة الثقافية الجماعية أهمية خاصة. فقد طوّر عالم الاجتماع جيفري سي. ألكسندر إطاراً نظرياً يوضح كيف يمكن للتجارب التاريخية الكارثية أن تؤثر في هوية الجماعات ووعيها التاريخي وطريقة فهمها لذاتها.[1]
كما تشير الأبحاث المتعلقة بانتقال آثار الصدمات بين الأجيال إلى أن تجارب الاضطهاد والعنف الجماعي قد تترك آثاراً في تصورات الأجيال اللاحقة بشأن الأمان والثقة والعلاقات الاجتماعية.[2] ولا يعني ذلك أن جميع الأفراد أو الجماعات يستجيبون لهذه التجارب بالطريقة نفسها، لكنه يوفر إطاراً تفسيرياً محتملاً لفهم أسباب ميل بعض المجتمعات التي عانت تاريخياً من الاضطهاد إلى التوجه نحو المرجعيات الخارجية أكثر من اعتمادها على أصحاب المعرفة من داخلها.
وعندما تضعف البنية المؤسسية الداخلية، بما فيها المدارس والمؤسسات الأكاديمية ودور النشر ووسائل الإعلام والمنظمات، تتراجع معها أيضاً المكانة الفكرية للمؤسسات والشخصيات المعرفية المحلية. وهكذا تنشأ مفارقة تتمثل في اهتمامنا الكبير بما يكتبه الآخرون عنا، في الوقت الذي لا نولي فيه دائماً الاهتمام الكافي لمن كرّسوا حياتهم لتوثيق ثقافتنا وتفسيرها وتطويرها.
إن تعزيز الثقة الداخلية وتقدير مثقفينا ومفكرينا وهم لا يزالون على قيد الحياة ليس مجرد مسألة تقدير شخصي أو مجاملة اجتماعية، بل هو جزء من استمرارية الثقافة ونقل المعرفة والاستقلال المؤسسي. كما أن الاعتراف بجهودهم في الوقت المناسب يشجعهم على مواصلة العمل، ويمنح الأجيال الشابة نماذج تحتذي بها في مجالات التعليم والبحث والأدب والعمل الثقافي.
ومن هذا المنطلق، يستحق يوسف بغتاش اهتماماً خاصاً. فالاحتفاء بمنجزه في أثناء حياته لا يمثل مجرد اعتراف بمسيرة كاتب بعينه، بل يعكس أيضاً حرصاً على صون تقاليدنا الفكرية وتعزيز حضورها في الحياة الثقافية المعاصرة.
من طور عابدين إلى الفضاء الثقافي السرياني العالمي
برز يوسف بغتاش، على مدى عقود، بوصفه صوتاً ثقافياً مهماً في عالم الثقافة السريانية المعاصرة (سورييو/آرامية). وتتسم مسيرته بالتنوع، إذ تشمل التربية والتعليم والأدب واللغة والفلسفة الثقافية والتأمل الروحي. ومن خلال الكتب والمقالات والمحاضرات والمنصات الرقمية، عمل على تعزيز الاهتمام باللغة السريانية والتراث الثقافي والوعي التاريخي والتكوين الإنساني.
وليوسف بغتاش أيضاً خبرة تربوية وكنسية مهمة. فقد كان مربياً ومعلماً معروفاً، وعمل مساعداً ومستشاراً موثوقاً لدى أساقفة كل من دير مار كبرئيل ودير الزعفران (ديرو دزفران). وبفضل كفاءته التربوية وحسن تقديره للأمور وقدراته التنظيمية، أسهم في دعم نشاط الديرين وتطوير أعمالهما. وقد شهدت المؤسستان خلال فترة عمله تطوراً ملحوظاً وحيوية متجددة في مختلف مجالات نشاطهما. ولم تقتصر مساهماته على المهام التربوية والتعليمية، بل امتدت لتشمل تقديم المشورة والمشاركة العملية في المسائل المتعلقة بالحياة الدينية والثقافية والتنظيمية للديرين. وتشكل هذه الخبرة جانباً مهماً من الخلفية التي تساعد على فهم مسيرته الفكرية والثقافية اللاحقة.
وتتميز مسيرته بالسعي إلى الجمع بين المحافظة على التراث والتجديد الفكري والأخلاقي. فهو لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها إرثاً جامداً ينبغي حمايته من التغيير فحسب، بل يراها تقليداً حياً يحتاج إلى الفهم والتفسير والتطوير المستمر لكي يظل قادراً على الانتقال إلى الأجيال القادمة.
كريو خليسـو – منصة للاستمرارية الثقافية
تُعد منصة Karyo Hliso كريو خليسـو أحد أبرز تجليات نشاط بغتاش الثقافي، إذ تُنشر فيها نصوص باللغات السريانية والتركية والإنجليزية والعربية. وتتناول المنصة موضوعات متعددة، منها اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والتطور الإنساني. وهي لا تؤدي وظيفة موقع للنشر فحسب، بل تشكل أيضاً فضاءً رقمياً لحفظ المعرفة ونقلها وتعزيز التواصل الثقافي.[7]
وينظر بغتاش إلى اللغة باعتبارها أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ فهي تحمل في داخلها التجارب التاريخية والذاكرة الجماعية والمفاهيم والتصورات التي تشكلت عبر الأجيال. وفي مقاله المعنون The Semantic Depth of the Syriac Language (العمق الدلالي للغة السريانية)، يؤكد أهمية اللغة بوصفها حاملة للمضمون الثقافي والتاريخي.[3]
ومن خلال منصة كريو خليسـو، ينتقل التراث السرياني الكلاسيكي إلى فضاء التواصل الحديث. وتسهم المنصة بذلك في إتاحة الأدب والتاريخ الثقافي أمام جمهور متوزع جغرافياً، وكذلك أمام الأجيال الشابة.
المحاور الأساسية في فكره وكتاباته
على الرغم من تنوع إنتاج بغتاش الفكري والأدبي، فإن ثلاثة موضوعات رئيسية تتكرر في أعماله، وهي: بقاء اللغة، والدور التكويني للثقافة، والتطور الداخلي للإنسان.
بقاء اللغة واستمراريتها
ينتمي بغتاش إلى الشخصيات الثقافية التي تعمل بصورة فاعلة على تعزيز مكانة اللغة السريانية. ومن وجهة نظره، فإن تراجع اللغة لا يمثل مشكلة لغوية فحسب، بل يرتبط أيضاً بالهوية والذاكرة التاريخية والاستمرارية الثقافية.
وقد أكد في كتاباته أن اللغة والثقافة تسهمان في تشكيل رؤية الإنسان للعالم، وأن ضعف التقاليد اللغوية والأدبية يترك آثاراً تتجاوز حدود التواصل اللغوي ذاته .[4]
الثقافة بوصفها تكويناً إنسانياً
يتمثل أحد المحاور الأساسية الأخرى في فكره في العلاقة بين الثقافة والتكوين الإنساني. فهو يربط بين التعليم والأخلاق ومعرفة الذات والمسؤولية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا تقتصر وظيفة الثقافة على المحافظة على التقاليد التاريخية، بل تشمل أيضاً تنمية قدرة الإنسان على التعايش مع الآخرين.
وتتكرر في كتاباته مفاهيم المسؤولية والاحترام والوعي والتواضع والكرامة الإنسانية. ولهذا تتسم رؤيته الثقافية بطابع إنساني واضح؛ فقيمة الثقافة لا تُقاس فقط بما يحافظ عليه المجتمع من ماضيه، بل أيضاً بالقيم والسلوكيات الإنسانية التي يسهم في ترسيخها ونقلها إلى المستقبل.
التحوّل الداخلي للإنسان
أما المحور الثالث فيتمثل في التطور الداخلي للإنسان. فكثيراً ما يكتب بغتاش عن معرفة الذات والتواضع والنضج الروحي والمسؤولية والارتقاء الأخلاقي. وتظهر هذه الموضوعات بوضوح في كتاباته المتعلقة بالتقاليد الصوفية والروحية السريانية، كما تتجلى في مقالاته ذات الطابع الفلسفي والثقافي.
وبالنسبة إليه، ليست الثقافة مجرد علامة على الهوية الجماعية، بل يمكن أن تكون أيضاً وسيلة للتغيير الشخصي والتحول الداخلي. وهنا يلتقي التراث الفكري السرياني الكلاسيكي مع القضايا المعاصرة المتعلقة بالأخلاق والمسؤولية الإنسانية والحياة الاجتماعية.
أبرز مؤلفاته وأعماله
Luscious Grain (2017)
يضم كتاب Luscious Grain، الصادر عن دار نشر Enheduanna Publishing عام 2017، مجموعة من المقالات والتأملات التي تتناول عدداً من الموضوعات المتكررة في كتابات بغتاش، ومنها الهوية والثقافة والتاريخ والقيم الإنسانية.
Süryani Mistisizmi – التصوف السرياني
يتناول بغتاش في هذا الكتاب التقاليد الروحية والصوفية السريانية، مع التركيز على تصوراتها المتعلقة بالتطور الروحي للإنسان. ويبحث العمل في موضوعات مثل معرفة الذات والتواضع والانضباط الروحي. وتشير إحدى المواد التعريفية المنشورة عام 2022 إلى أن الكتاب كان قد أصبح آنذاك جزءاً من نشاط بغتاش الثقافي والأدبي .[5]
Syriac Culture (2023) – الثقافة السريانية
يتناول بغتاش في هذا العمل التطور التاريخي للحضارة السريانية وأهميتها في بلاد ما بين النهرين. وفي مقاله المعنون Historical Importance of Syriac Culture and Its Contributions to Our Region (الأهمية التاريخية للثقافة السريانية وإسهاماتها في منطقتنا)، المنشور عام 2023، يسلط الضوء على دور الثقافة السريانية في التفاعلات الفكرية والثقافية بين الحضارات المختلفة في المنطقة]. [6
Syriac Culture and Inner Transformation (2023) – الثقافة السريانية والتحوّل الداخلي
يتناول هذا العمل أحد أكثر الجوانب تميزاً في فكر بغتاش، وهو العلاقة بين التراث الثقافي والتحول الشخصي. فوظيفة الثقافة، وفق هذا التصور، لا تقتصر على صيانة الماضي، بل تشمل أيضاً تزويد الإنسان بالأدوات الفكرية والأخلاقية التي تساعده على التأمل في ذاته وتحمل المسؤولية وتطوير سلوكه الإنساني.
يوسف بغتاش: مفكر إنساني سرياني معاصر ووسيط ثقافي
تكمن أهمية كتابات بغتاش من منظور تاريخ الأفكار في قدرته على الجمع بين تقاليد متعددة. فهو يستلهم من الأدب السرياني الكلاسيكي والتراث المسيحي الشرقي، وفي الوقت نفسه يتناول قضايا معاصرة تتعلق باللغة والتراث الثقافي والتعليم والكرامة الإنسانية وتطور المجتمع.
ولذلك لا ينبغي اختزال أعماله في مجرد محاولة لإضفاء طابع رومانسي على الماضي. فعلى العكس، تنطلق كتاباته من رغبة واضحة في جعل التراث التاريخي ذا صلة بالحاضر. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إليه بوصفه وسيطاً ثقافياً بين الأجيال: بين الأدب السرياني الكلاسيكي والفضاء الثقافي الحديث، وبين التراث المحلي والتواصل العالمي، وبين المحافظة الخارجية على الموروث والتطور الداخلي للإنسان.
كما تطرح مسيرته سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية محافظة شعب صغير تعرض تاريخياً للاضطهاد والتهميش على استمراريته الثقافية. فاللغة لا تعيش من خلال القواعد والمعاجم وحدها، بل تستمر بفضل الأشخاص الذين يكتبون بها، ويعلّمونها، ويفكرون من خلالها، وينقلونها إلى الجيل التالي.
ومن هذه الناحية، يمثل يوسف بغتاش أكثر من مجرد كاتب أو مؤلف. فهو يجمع في مسيرته بين أدوار المربي وناقل المعرفة اللغوية والمثقف التنويري والفيلسوف الثقافي وحامل الإرث الفكري.
ولهذا تبرز أهمية تقدير أعماله والاحتفاء بها وهو لا يزال فاعلاً في الحياة الثقافية. فتقدير الكاتب في حياته لا يعني بالضرورة الاتفاق مع جميع أفكاره أو تبني كل تفسيراته. بل إن التقدير الحقيقي يمكن أن يترافق مع الحوار النقدي. فمن خلال القراءة والمناقشة والتحليل وإعادة تطوير التقاليد الفكرية الخاصة بنا، يستطيع المجتمع بناء فضاء ثقافي وفكري ناضج.
وبالنسبة إلى شعب يسعى إلى تعزيز ثقته بذاته وبثقافته، فإن هذه مسؤولية أساسية. نحن لا نحتاج إلى تقليص التفكير النقدي، بل إلى توسيع الحوار الداخلي؛ ولا نحتاج إلى تقليل التدقيق العلمي، بل إلى إبداء احترام أكبر لمن كرسوا حياتهم للمعرفة. ولا يتعلق الأمر بتمجيد أبنائنا دون نقد، بل بتهيئة مناخ ثقافي يتيح لأصحاب المعرفة من داخل مجتمعنا أن يُسمع صوتهم وأن تُقيّم أعمالهم بالمعايير العلمية والموضوعية نفسها التي تُطبّق على المرجعيات الخارجية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أعمال يوسف بغتاش باعتبارها جزءاً من مسعى ثقافي وفكري أوسع يهدف إلى استعادة مكانة اللغة، وتعزيز الذاكرة الجماعية، وتنمية الثقة الفكرية بالذات، وبناء الأمل بالمستقبل.
إن مسيرته تذكّرنا بأن التراث الثقافي لا يستمر بمجرد حفظه، بل من خلال فهمه وتجديده ونقله إلى الأجيال القادمة.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية: حافظت على أسماء الكتب والمنصات والمراجع بلغاتها الأصلية لتسهيل التحقق منها، مع ترجمة عناوينها التوضيحية إلى العربية. كما أبقيت الفقرة الخاصة بخبرته في الديرين بارزة، لأنها تضيف بُعداً مهماً إلى سيرته التربوية والثقافية.
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment