
الإحسان ليس تجارة، ولا هو بندُ دَيْنٍ ودَينٍ يُدوَّن في دفتر الحساب. بل هو تجلٍّ لحقيقةٍ راسخةٍ في باطن الإنسان. إنّ السلوك الذي ينتظر المقابل، وإن بدا في الظاهر إحسانًا، فإنه يحمل في جوهره ظلَّ التوقّع. أمّا الإحسان الحقيقي فهو حديثُ الشخصية الصامت. فالإنسان يُظهر حقيقته أكثر ما يُظهرها في اختياراته حين لا يراه أحد.
ومن المنظور الروحي، فإن الإحسان هو وفاءُ الإنسان لجوهر خلقته. ففي فهمٍ للرحمة مستمدّ من مصدر إلهي، لا يتشكّل الإحسان بحسب موقف الآخر، بل يتحدّد وفق الاتجاه الداخلي للإنسان نفسه. إن مقابلة الشر بالشر هي الطريق الأسهل للغريزة والنفس. أمّا التوازن بين الرحمة والعدل فهو دليل النضج الروحي للإنسان. فالرحمة تمثّل لين القلب، والعدل يمثّل استقامة الضمير. الرحمة وحدها قد تنقلب إلى عاطفيةٍ بلا حدود، والعدل وحده قد يُختزل إلى مقياسٍ جامدٍ آليّ. وإنما يبلغ الإنسان الكمال في توازن هذين الأصلين؛ إذ إن الفضيلة الحقة هي انسجام المشاعر مع المبادئ، واتحاد القلب مع العقل.
وعلى الصعيد الفلسفي، يحتل الإحسان مركز الأخلاق الفضائلية. فمنذ العصور القديمة، أكّد الفلاسفة أن ما يجعل الإنسان إنسانًا ليس النجاحات الخارجية، بل الفضائل الداخلية. فالإحسان ليس نتيجة، بل هو نمط وجود. فإذا كان الإحسان يُمارَس طلبًا للمقابل، فقد أُبرِم في الحقيقة عقدُ منفعة، وعندئذٍ تتحول الأخلاق إلى مساومة. أمّا الفضيلة فلا تكتسب معناها إلا باللّامشروطية. فالإنسان حين يقابل الشر بالشر يُبقي الدائرة مستمرة، أما حين يتخذ موقفًا قائمًا على توازن العدل والرحمة، فإنه يكسر تلك الدائرة، ومن هنا يبدأ الارتقاء الأخلاقي. لأن الشرّ انعكاسيّ، أمّا الإحسان فهو اختيارٌ واعٍ.
وأمّا من الناحية الاجتماعية، فإن الإحسان هو المِلاط الذي يشدّ نسيج المجتمع. فإذا بنى كلُّ فردٍ سلوكه على انتظار المقابل، ضعُفَت الثقة. وحيث تنعدم الثقة، تنشأ ثقافةُ المحاسبة الدائمة. أمّا الإحسان غير المشروط فيُعزّز الرصيد الاجتماعي. فالعدل يضمن انتظام المجتمع، والرحمة تضمن بقاء هذا الانتظام إنسانيًّا. المجتمع الذي يقوم على القانون وحده يقسو، والذي يقوم على العاطفة وحدها يتفكك. أما البنية الاجتماعية السليمة فهي التي تحمل عمود العدل وقلب الرحمة معًا.
إن مقابلة الشر بالشر أمر يسير؛ لأن الغضب سريع. لكن ما يجعل الإنسان إنسانًا ليس السرعة بل الوعي. فإبداء ردّ الفعل أمر طبيعي، أما السلوك بميزانٍ فهو ثقافة. إن رحلة الإنسان في بناء الحضارة هي عملية تهذيب دوافعه الخام الكامنة فيه. لذلك فالإحسان ليس مجرد اختيار أخلاقي فردي، بل هو أيضًا أساس بناء الحضارة.
إن الشخصية الحقيقية تتجلّى في أوقات الأزمات. فالذي يستطيع أن يتصرّف بعدلٍ حين يُظلَم، وأن لا يفقد رحمته حين يُجرَح، هو الذي يحفظ تماسكه الداخلي. لأن الإحسان ليس استراتيجية تتبدّل بحسب موقف الآخر، بل هو عهدٌ يقطعه الإنسان على نفسه.
وخلاصة الأمر، فإن الإحسان هو وفاء الإنسان لذاته، وإن توازن العدل والرحمة هو أرقى صور الإنسانية. فمن استطاع إقامة هذا التوازن، نال عمقًا روحيًا، وحقق اتساقًا فلسفيًا، وصار حاملًا لثقة المجتمع. ولعل الأهم من ذلك كله، أن الإنسان حين يُحسن إلى غيره، إنما يُعلي في الحقيقة من شأن وجوده؛ لأن الإحسان يبني صاحبه أولًا.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment