(ܩܰܚܦܽܘܼܪܬܳܐ/الكهفورتو) أو القفص الداخلي - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

(ܩܰܚܦܽܘܼܪܬܳܐ/الكهفورتو) أو القفص الداخلي

Mlfono Yusuf Beğtaş
(ܩܰܚܦܽܘܼܪܬܳܐ/الكهفورتو) أو القفص الداخلي

تُذكّرنا لهجة السورايت من اللغة السريانية بحقيقةٍ تمتدّ لآلاف السنين بشأن القفص الداخلي: «ܢܶܦܽܘܿܩ ܡܼܶܢ ܩܰܚܦܽܘܼܪܬܳܐ ܕܺܝܼܠܰܢلنخرج من كهفنا الداخلي.»

تشير هذه العبارة الوجيزة إلى حالة الضيق والانسداد والسطحية في الإنسان إشارةً عميقة. لأن الإنسان الذي لا يستطيع الخروج من قفصه الداخلي، تفقد حرية العالم الخارجي معناها بالنسبة إليه. فالقفص الداخلي هو اسمٌ لحالةٍ تُضيّق الإنسان، وتُسطّحه، وتضغطه روحيًا.

وفي السريانية يُعبَّر عن هذه الحالة بقولهم: «الخروج من الكهفورتو». لأن العالم الداخلي ما لم يتّسع، لا تتّسع ضيقة العالم الخارجي؛ ولا تتحوّل السطحية إلى عمق. لذلك ينبغي لنا «أن نخرج من كهفنا»، أي أن ننتقل من الحالة الداخلية التي تُضيّقنا إلى حالة وجودٍ أوسع.

الكهفورتو أشبه بإناءٍ مصنوعٍ من الطين: ضيّق، سطحي، وثقيل. ومن كان داخل هذا الإناء، فإن ظنَّه بأنه حرّ في الخارج ليس إلا وهمًا.

الكهفورتو هي حالةُ انحباس الروح؛ سجنٌ شخصيّ تتداخل فيه الأفكار والمشاعر والآمال والمخاوف. ومن دون الخروج منه، لا يستطيع الإنسان أن يفكّر بسَعة، ولا أن يشعر بعمق، ولا أن يُقيم روابط حقيقية. ومن يسير في طريق البحث عن ذاته، يجدر به ألّا يغفل عن هذه الحقيقة. لأن الرحلة الحقيقية تبدأ أولًا بالخروج من كفورتونا. فالعالم الخارجي لا يتّسع ما لم يتّسع المجال الضيّق في داخلنا.

غير أنّ بعض الناس ينطلقون في رحلة البحث عن الذات، لكنهم بدلًا من الخروج من «الكهفورتو» يحملونها معهم إلى نافذةٍ أخرى. يتمسّكون بتعليمٍ ما، أو يتعلقون بمرشدٍ ما؛ وبينما يقولون: «الآن سأكون نفسي»، يتحوّلون في الحقيقة إلى ما ليسوا عليه. يحاولون الخروج من النافذة التي هم فيها، فيجدون أنفسهم هذه المرة محبوسين في نافذةٍ أخرى. يغيّرون الأطر ويظنّون أنهم قد تحرّروا، بينما هم في الواقع لم يفعلوا سوى تبديل القفص.

وما يجدونه في رحلة البحث عن الذات ليس إلا حياةً أضيق، وروحًا أكثر هشاشة، وقلبًا أشدّ انغلاقًا؛ أي «كهفورتو» أخرى، لكنها هذه المرة أشدّ تلوّثًا.

ومع مرور الزمن يُدرك أن رغبته في العثور على نفسه قد جعلته أنانيًا إلى حدٍّ لم يعد يُعرَف. يصبح جارحًا إلى درجة أنه يظنّ كلَّ من لا يسلّم عليه عدوًا. ويغدو شديد الحساسية حتى إن أصغر كلمة تصبح سببًا للنزاع. وينفصل إلى حدّ أنه يرى في الارتباط تهديدًا لحريته. ويضيق أفقه حتى يحصر الحياة في رؤيةٍ واحدة. ويتضاءل حتى يمشي كظلٍّ باهت، ويكون أشدّ إيذاءً لنفسه. وينغلق حتى يظنّ أن إقصاء الجميع نضجٌ. ويتصلّب حتى يعدّ أدنى نقدٍ خيانة. ويغترب حتى يتّخذ، تحت اسم «البحث عن الذات»، موقفًا إقصائيًا تجاه الجميع.

وحينئذٍ يهمس الإنسان في داخله دون إرادة: «إن كان هذا هو الخروج من الكهفورتو، فليتَك لم تخرج منها قط.»

ذلك أن بعض الناس في طريق البحث عن الذات، بدل أن ينموا يتقلّصون؛ وبدل أن يتّسعوا يضيقون؛ وبدل أن يتعمّقوا يسطحون.

فهم لا يتغذّون من أبعاد الحياة كلّها، بل يلجؤون إلى نافذةٍ واحدة. وتتحوّل تلك النافذة مع الزمن إلى جدار، وذلك الجدار إلى زنزانة. وفي النهاية، بينما يسعون إلى السعادة القصوى، يصبحون كيانًا لا يشبع: يستهلك الجميع، ويُتعب الجميع وهو يبحث عن السلام؛ ويزداد انحباسًا في «الكهفورتو» وهو يقول: «سأخرج منها»؛ ويغترب حتى عن نفسه وهو يقول: «سأكون ذاتي».

غير أنّ أسرع طريقٍ إلى فقدان الذات هو النزول إلى حفرةٍ مظلمة تحت اسم الاستنارة. أمّا التحوّل الحقيقي فهو أن ينمو الإنسان دون أن يُصغّر أحدًا، وأن يكون حرًّا دون أن يقطع روابطه، وأن يكون نفسه دون أن يُلحق الأذى بذاته.

والأهم من ذلك كلّه: أن ينفتح لا على نافذة، بل على الحياة. فالذين يستطيعون الخروج من «كهفورتو هم» بوعيٍ صادق، هم الذين يبلغون الحرية الحقيقية والعمق.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com