
لماذا الإحسان مهمّ وضروري؟
الإحسان ليس مجرد خيارٍ أخلاقي، بل هو ضرورةٌ وجودية للإنسان. وإن إهماله خطيئةٌ صامتة تُرتكب في حقّ أنفسنا وفي حقّ العالم أو الحياة.
إن الإيمان الحقيقي لا يكتمل بالابتعاد عن الشر، بل ينضج بالشجاعة على فعل الخير الذي يعرفه الإنسان. لأن الإحسان المؤجَّل يصبح في كثيرٍ من الأحيان إحسانًا لا يُفعل أبدًا. والإحسان الذي لا يُفعل يبقى كخطيئةٍ غير منظورة منقوشة في روح الإنسان.
يرى مار إسحق النينوي (القرن السابع)، أحد حكماء التراث السرياني، أن إهمال الإحسان خسارةٌ روحية، إذ يقول: «مَن يعرف الخير ولا يفعله، لا يظلم أخاه فقط، بل يظلم نفسه أيضًا. لأن الإهمال يُولِّد في القلب قساوةً متحجرة.»
لذلك فإن عدم فعل الإحسان هو تحجُّر يُضعف رِقّة الروح. فالإحسان ليس أمرًا لازمًا فحسب، بل هو ضرورة: كالنَّفَس الذي يُبقي القلب حيًّا ويحميه من القسوة. إن الإحسان حيويٌّ وذو قيمة بحيث لا يجوز إهماله.
الخطيئة الصامتة للإحسان
تُعبّر العبارة الواردة في رسالة القديس يعقوب عن المسؤولية الوجودية للإنسان بأبسط صورة: «فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلَا يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ.» (يعقوب 4: 17)
تُذكّرنا هذه العبارة بأن الخطيئة ليست مجرد فعل الشر. فالإنسان ينقص أيضًا في كل إحسانٍ يعرفه ولا يفعله. لأن الإحسان ليس مجرد واجبٍ أخلاقي، بل هو حاجةٌ تُبقي روح الإنسان حيّة. فالروح تتنفس بالإحسان، وتبقى حيّة به.
البعد الوجودي للإحسان
الإحسان هو أعمقُ التزامٍ منقوشٍ في وجود الإنسان. لأن الإنسان ليس إنسانًا بعقله فقط، بل بضميره أيضًا. وصمت الضمير يُبعد الإنسان عن جوهره. لذلك فإن معرفة الإحسان وعدم فعله ليس مجرد نقصٍ اجتماعي، بل هو اغترابٌ وجودي.
يقول مار أفرام (306–373): «فرصةُ الإحسان كضوء الشمس؛ إن لم تقبلها حين تشرق، بقيت في الظلمة حين تغيب.»
وعندما يُؤجَّل الإحسان يفقد نوره؛ وما يُفقد ليس مجرد فرصة، بل النور الداخلي للإنسان.
نور الإحسان وإرثه
يعبّر مار نرساي (399–502) عن هذه الحقيقة بقوله: «إن الله العليّ يعطي الإنسان الإحسان كبذرة. ومن لا يزرعها في الأرض، لا يرى حصادها.»
الإحسان، إلى جانب كونه مسؤوليةً فردية، هو إرثٌ يُترك للمستقبل الجماعي. فالإحسان الذي لا يُزرع هو بركةٌ مسروقة من المستقبل.
لذلك فالإحسان ضرورة: فهو يُطهّر الحاضر ويغذّي المستقبل. لأن الإحسان هو جوهر الحياة؛ هو النور الذي يُضيء الوجود، والنَّفَس الذي يُحيي القلب، والحقيقة التي تُذكّر الإنسان بإنسانيته.
وخلاصة القول، إن الإحسان هو قلب وجود الإنسان. فبدونه لا ينبض القلب، وتفقد الحياة معناها.
ملفونو يوسف بختاش
رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين
You can also send us an email to karyohliso@gmail.com
Leave a Comment