رحلة إلى هكّاري: مشاهد وانطباعات - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

رحلة إلى هكّاري: مشاهد وانطباعات

Mlfono Yusuf Beğtaş
رحلة إلى هكّاري: مشاهد وانطباعات

بمبادرةٍ كريمة من طبيب الأسنان الجليل السيد أورهان دي باسو، الذي ذاع ذكره في أوروبا بابتكاراته في مجاله، وأسهم بإسهامات اقتصادية بارزة في ماردين–مديات، قمنا، برفقة أعضاء اتحاد الشباب الآشوري في السويد، برحلةٍ ثقافية إلى ربوع هكّاري في الرابع والخامس من نيسان سنة 2026. وكانت رحلةً امتزجت فيها مشاعر الفرح بالحزن؛ فابتهجنا حينًا، واغرورقت أعيننا حينًا آخر أمام ما خلّفه الماضي من جراح. حتى خُيّل إلينا أننا لا نعبر أرضًا فحسب، بل نخترق طبقات الزمن، ونعود من دهاليز التاريخ إلى حاضرنا المثقل بالذاكرة.

وفي يومٍ كانت الثلوج والأمطار تلامس برفق قمم جبال هكّاري الشاهقة، قصدنا قرى آشيـتا وهلمون وجرامون، فحيّينا فيها أثر الأجداد، واستحضرنا ما تركه شعبنا من تعبٍ وذكرى. وكانت كل قريةٍ منها كأنها شاهدٌ صامت على زمنٍ يأبى الزوال، فيما تجلّت في أهلها صفاء القلوب وسخاء الأرواح.

سحرتنا طبيعة آشيـتا، فتنفّسنا فيها نقاءً لم يقتصر على الصدور، بل سرى إلى الأعماق. وكان خرير المياه المنحدرة من أعالي الجبال كهمسٍ خفيّ يوقظ في النفس مواضع أنهكها النسيان، فيبعث فيها راحةً وسكونًا.

وفي كنيسة مار إشـموني بهلمون، رفعنا صلاةً صامتة، وكأن صدى دعواتٍ غابرةٍ عاد ينبعث من بين الحجارة نحو السماء. ثم دخلنا كنيسة مار يوحنان الطيّاية في جرامون، وقد غمرها الإهمال وأثقلها الغموض، نهتدي بضوءٍ خافت من هواتفنا، فإذا بنا نواجه شعورًا لا تُحيط به الكلمات.

كان المكان، على ما أصابه من وهنٍ وتصدّع، يحتفظ بجلاله؛ جدرانٌ متعبة، وحجارةٌ مبتلّة، وسقفٌ يقطر منه المطر. وهناك بدا الزمن ساكنًا، وكأن الصمت نفسه صار كائنًا يُصغي إليه القلب. وفي تلك اللحظة، غمرني إحساسٌ عميق بالسكينة، واشتياقٌ دفين، وحزنٌ شفيف.

وفي ليلة «بلوغ الميناء» (ܘܰܥܕܶܗ ܕܰܠܡܺܐܢܳܐ)، التي تعقب ختام الصوم الكبير، والتي رأيتُ فيها مرآةً صادقة لوجدان الجماعة، بدأت أرتّل: «يا رب، يا رب، افتح لنا بابك… ܡܳܪܰܢ ܡܳܪܰܢ ܦܬܰܚ ܠܰܢ ܬܰܪܥܳܟ»

فامتزج الصوت برنين المطر على الحجارة، حتى خُيّل إلينا أن المكان عامرٌ بأرواحٍ سبقتنا إليه؛ صلّت، وبكت، وانتظرت، ورجت. وكانت الكلمات، وهي ترتدّ بين الجدران، توقظ في داخلنا أصداءً دفينة.

لقد احتواني ذلك الفضاء بكل ما فيه، حتى بدا وكأن الذاكرة الكامنة في الحجر والمطر والظلام قد استعادت صوتها. وكانت هذه الترنيمة، على ما فيها من شجن، تبعث في النفس رجاءً خفيًا، وتذكّر الإنسان بألّا يُضيّع مفاتيح الحياة والفردوس.

فلعلّ بعض الأمكنة تُدرَك بالقلب لا بالبصر، وبعض الأناشيد لا تُسمَع فحسب، بل تُقيم في الوجدان طويلًا. ولعلّكم، إن أصغيتم إليها، تشعرون بما شعرنا به من حنينٍ وألمٍ ورجاء.

وأخيرًا، أتوجّه بخالص الشكر لكل من أسهم في هذه الرحلة وأضفى عليها معناها.

 

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com