الأمثالُ الحكيمة - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

الأمثالُ الحكيمة

Mlfono Yusuf Beğtaş
الأمثالُ الحكيمة

اللغةُ التي تَتألّق بالأدب، كأنّها نجمٌ يُشِعّ ضياءً.

الأدبُ سلّمٌ ينفذ إلى أعماق الروح الإنسانية؛ يكشف عن الأسرار الخفيّة للروح، ويؤدّي دورًا فاعلًا في خدمة تلك الأسرار. وهو شبيهٌ بالكهرباء: لا يُرى، لكنّه يُضيء. يوجّه ذهنَ الإنسان ذي الإدراك، فتبدأ المعاني العميقة والغنيّة بالسريان والتدفّق في عالم العقل. ولهذا يتغيّر العالم. فالأدبُ، في الحقيقة، أشبهُ بسوقٍ لا أبواب لها ولا جدران ولا حدود.

والأمثالُ الحكيمة نوعٌ من الأدب، وهي تحتلّ منزلةً ساميةً ومكانةً رفيعة بين أنواعه. وحتى في هذا العصر الذي يُظَنّ فيه أنه عصرُ تنوير، يُعَدّ الأدبُ الذي يفتقر إلى الأمثال الحكيمة أدبًا ناقصًا. والعصرُ الذي لا يلمع بالكلمات الحكيمة يكون قد فقد جوهره الذي صُفِّي عبر روح وفكر الفلاسفة الحكماء في الأزمنة الغابرة. أما حكمتهم، المتناثرة هنا وهناك، فتُنقل من جيلٍ إلى جيل، ومن فمٍ إلى فم، حتى تُجمع في يومٍ ما في كتاب، فتُقرأ، وتُدرَس، وتُفهَم.

والأمثالُ الحكيمة تحمل في طيّاتها أفكارًا ذهنيةً عميقةً ورمزية، تنحدر من ذُرى العصور. وهي معانٍ صُفّيت عبر منخل أجيالٍ وأزمنةٍ مختلفة، وتتشكل بالكلمات التي نتكلمها، ونسمعها، ونفكر بها، ونحبّها، ونكرهها، ونقترب منها، ونصل بها، ونفهم بها الجوانب المعقدة من الحياة.

والأدبُ يَسمو بثماره المتنوّعة. ومعلومٌ أنّ الأدب لا يعرف الشبع؛ غير أنّ الإنسان المستنير يغذّيه بطرقٍ رفيعة. وهذه الثمار طريقٌ ووسيلةٌ ومذاقٌ لذيذ. وهي تُخرج الإنسان من عزلةٍ شقية، ومن انهيارِ واقعٍ مريضٍ وضعيف، ومن ثقلٍ يرهق الحياة، ومن ضيقٍ يعتصر الصدر. ويصاحب ذلك لذائذُ فكريةٌ وأحوالٌ باطنية.

والإنسانُ، لكي يكتشف غايته الكبرى وهدفه الأسمى، محتاجٌ إلى الفهم. وهنا يكون الأدبُ أحدَ هذه الطرق؛ إذ يضع المفتاحَ في يد الإنسان. إنه يحرّكه بقوة معانيه الملتهبة والمزلزلة.

ومن هنا، فإنّ الحكمة لا تُطلب لذاتها فحسب، بل تُطلب لأنّها تُقيم الصلة بين التجربة والمعنى، وبين الألم والبصيرة، وبين الذاكرة والمستقبل. فالأمثال الشعبية والأقوال المأثورة ليست مجرد زخرفٍ لغوي، بل هي خلاصاتُ عيشٍ طويل، ونتائجُ احتكاكٍ بالحياة، وثمراتُ تأملٍ في الإنسان والعالم. ولذلك فإنّ إعادة قراءتها ليست عودةً إلى الماضي، بل استئنافٌ للحوار مع ما هو أعمق في الوجود الإنساني.

وفي هذا السياق، تغدو السريانية، بما تحمل من ميراثٍ لغويٍّ وروحيٍّ وأدبيّ، مجالًا خصبًا لاكتشاف هذا النوع من الحكمة. فهي لا تنقل الألفاظ وحدها، بل تنقل معها نبرة الروح، وذاكرة الجماعة، وطريقة النظر إلى الألم والرجاء، وإلى الموت والحياة، وإلى الخسارة والرجاء. ومن يتأمل أمثالها الشعبية يلمس كيف تتجاور في العبارة الواحدة الخبرةُ والرمز، وكيف يلتقي المأثورُ بالحسّ الإنساني العميق.

ولهذا فإنّ العناية بهذه الأقوال ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي فعلُ حفظٍ ووعيٍ ومقاومة. حفظٌ لما يوشك أن يتبدّد، ووعيٌ بما تختزنه اللغة من طاقة، ومقاومةٌ للنسيان الذي يهدد المجتمعات حين تنفصل عن جذورها. فالأمة التي تنسى أمثالها تنسى جزءًا من ذاتها، والأفراد الذين يتركون حكم أسلافهم يتركون معها جزءًا من مناعتهم الداخلية.

وهكذا، فإنّ الحكمة الموروثة تظلّ أشبه بالمصباح في العتمة؛ لا تلغي الظلمة كلها، لكنها تهب للمسافر القدرة على مواصلة الطريق. ومن أجل هذا تُقرأ، وتُحفظ، وتُشرح، وتُورث، حتى تبقى حيّة في اللسان، وفاعلة في الضمير، ومثمرة في الحياة.

لأجل ذلك ينبغي أن ننهض من جديد بروح الحكمة والرحمة؛ فلا ينبغي لنا، نحن رجال الدين والمثقفين والأدباء وقادة المجتمع، أن نكتفي بالقوالب الجاهزة، بل يجب أن نكون روّادًا. وبذلك نكتسب الشجاعة والقوة اللتين تمكّناننا من خدمة ذواتنا وخدمة أدبنا.

وقد كتبتُ هذه الكلمة التمهيدية، بناءً على الطلب اللطيف من مؤلف الكتاب؛ الموقّر ملفونو يوسف أسمر ملكي، أحد أعمدة اللغة السريانية، وأحد العمّال المجتهدين في حقل الأدب. إنه عاشقٌ للتراث الأدبي، ومَن يهب روح لغتنا الحياة ليلًا ونهارًا بلا انقطاع.

إنّ قصة كل إنسان تختلف عن الأخرى؛ ويظهر هذا الاختلاف في ثمار خدمته، وفي عمله، وتواضعه، وصدقه. ولأعترف بصدق: إننا مدينون كثيرًا للذكاء والإنتاجية اللذين تحملهما قريحته. ومن أراد أن يرى غنى أعماله، فليقلب صفحات كتبه النثرية والشعرية.

إنّ كلمات الحكمة مجالٌ متميّز، منفصلٌ عن الأدب العادي والمعرفة الاجتماعية العامة. وفي عصرٍ عمّ فيه الانحلال الأخلاقي كلَّ مكان، تشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حكمتها الصافية وانتصارها الواضح. وإلا فإن الإنسان ينجرف شيئًا فشيئًا إلى هوّة الفقر الروحي والقلق، وتضيع المعاني الحكيمة في الأبواب الموصدة للذاكرة.

ولا ينبغي أن ننسى أن القراءة الدائمة لهذه الكلمات الحكيمة، واستخدامها في كل أرجاء العالم، تضيء مصباح العلم والوعي. وتحوّل الإنسان إلى بيتٍ دافئ لنفسه ولغيره، وإلى ملجأٍ آمن، وتطرد عنه الأنانية.

وأخيرًا، أحمدُ الربَّ الذي ينفخ القدرة في الضعفاء. وأدعو أن يكون هذا الكتاب دليلًا إلى الطريق القويم، ومقوّيًا للروح. وأملي أن تُبعث من جديد روحُ الفكر، والتعليم، والكلمة، والكتابة.

إنّ آمال لغتنا السريانية اليوم تطرق أبواب القلوب. فلتظلّ أنشودةُ لغتنا الجميلة، وصوتُ ميراثنا النقي، وقوةُ أدبنا الراسخة، لا تصمت أبدًا.

ملاحظة: كتبتُ هذا النصّ باللغة السريانية، بناءً على طلبِ ملفونو يوسف أسمر ملكي الكريم، المقيم في السويد. وقد ورد في كتاب «حكمة الزمان – أمثال شعبية سريانية» الصادر سنة 2021، بوصفه كلمةَ تقديمٍ بالعربية والسريانية. وبعد أن وصلني الكتاب، قمتُ بترجمة هذا النص إلى التركية، لتقديمه للقارئ الكريم.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com