حكايةُ كلّ إنسانٍ مختلفة - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

حكايةُ كلّ إنسانٍ مختلفة

Mlfono Yusuf Beğtaş
حكايةُ كلّ إنسانٍ مختلفة

حكايةُ كلّ إنسانٍ مختلفة [1]

لكلّ إنسانٍ حكايةُ حياةٍ تختلف عن سواها؛ فهذا الاختلاف يتجلّى في نظرته إلى الحياة، وفي ثمار خدمته، وفي جهده، وتواضعه، وصدق سريرته. ولهذا، فإنّ من يشغَل موقعًا في المجال العام، أو يُعدّ فاعلًا اجتماعيًا أو صاحب رأي، مطالبٌ في سياق ضبطه الذاتي أن يُصغِي دائماً إلى صوت ضميره، وأن يُدرِك مسؤوليته تجاه هذا الصوت؛ لأنَّ الضمير هو الحُكم الأعدل والأصدق في داخل الإنسان. وعلى هذا الإنسان أن يُنْظِم أفكاره، وأن يُوافِق بين قوله وفعله ونيّته، وأن يُرسّخ فهمه الإداري على هذا الاتساق.

وإلقاءُ الذنب على الآخرين أو على الظروف لا يعني تَخلّيه عن المسؤولية فحسب، بل يدلّ على ابتعاده عن وعيه بالذات وعن قوّته الداخلية.

والإنسان الذي يمتلك مكانةً، إذا انطلق بروح «الراعي الصالح» (يوحنا 10: 14–16) ليُقدّم مساهمةً ويكمل ما نَقَص، في واقعٍ اجتماعيٍّ مثقلٍ بالأحكام المسبقة، فعليه أن يتحمّل أيضًا حمل روح التيسير. فإنَّ هذه الروح لا تفرض عوائق، بل تُخفّف المشقة. وقسوة الطريق، أو الأخطاء، أو ما تُحدثه الأيام من انكسارات، لا ينبغي أن تُظلِّل هذا الجوهر. فالمسألة في الحقيقة هي القدرة على ترجيح البناء رغم كلّ السلبيات، والتشبّث بالمعاني الراسخة، والقيم التي تُغذّي الروح، والتصرّف بناءً عليها. وكما يقول المنطِق والعَقْل الحكيم: «ينفتح طريق الحقّ بآثار من ييسّرونه». لذلك، فعلى مَن يخدم الإرثَ الروحي المعنوي أن يبقى هو نفسه، وأن يُحافظ على ذاته؛ لا أن يُثقِل، بل أن يُخفّف، لا أن يُضيّق، بل أن يُوسّع، وأن يجعل من تكثيرالأخلاق والفضيلة شِعاره، لأنّ التيسير ليس مجرد أسلوب، بل هو حالةُ حكمة؛ هي القدرة على تجاوز الظلام الداخلي، وترك نورٍ في طريق الآخرين.

والإنسان حين يكتشف محبته لذاته، واحترامه لها، وقيمته الحقيقية، يبدأ في كتابة حكاية ذاته. فمع هذا الاكتشاف ينفتح دربُ قيادة النفس وتجاوزها، وهو دربٌ تخطّي الأحكام السلبية، والكراهية، والحسد، والطمع، والرغبة، والغضب، والإقصاء، والسيطرة، والمقارنة، والأنانية، وسائر العوائق الداخلية. وعرفتُ هذا الدربُ في سنٍّ مبكرة، ومع تقدمي فيه فهمتُ أنَّ بعض الخسائر والتخلّيات إنّما تُعشَش لبلوغ الإنسان ذاته الحقيقية.

وفي مسيرة العثور على هذه الذات، يكتب كلّ إنسانٍ حكايته ويعيشها. ولكن لكلّ حكايةٍ دائمًا ثلاثة أبعاد: صاحب الحكاية، والمجتمع، والحقيقة ذاتها. والحياة وجهان من عملةٍ واحدة—لها جانب ظاهرٌ وجانبٌ خفي. وغالبًا، وإن أدرك المجتمع طابع الخدمة، وتمتع بنظرةٍ إلى الطابع الخادم، فإنَّ من لا يُدرك الخلفية الفكرية التي تُحرّك العمل، ولا سيّما مَن لا يُسكت جَلَبَته الداخلية، يتعلّق فقط ببريق الظاهر، ويفتن بها، ويفسر على أساسها. مع أنَّ نَبَض الحياة الحقيقي ينجم في الخفاء، وأن الحكاية الحقيقية لا تتشكّل في مظهر الدنيا، بل في نور العالم الداخلي. فالحقيقة تتجلى في عالم الفكر، وفي الأصوات التي ترنّ في القلب، وفي الأحساس، وفي فهم المسؤولية، وفي البناء الأخلاقي والوجداني. وكلَّما صافَ النورُ الداخلي، ازدادَ عمقُ ما وراء الظاهر، وصارت المواقف والأفعال بنّاءةً أكثر.

وإن كان في القصد والفعل غيابُ الأخلاق، وعدم الاستناد إلى الضمير، فإنَّ الوجهَين معًا لا يُفلِتَان من أن يَبْدُوا غامِقَيْن.

ولهذا، لا يُدرك الإنسان أو المجتمع الحقيقة إلا بقدر ما يُصغي إلى صوت النيّة الصادقة، ويُدرك المظاهر العملية حقَّ إدراكها. وكلُّ قراءةٍ نسبيةٍ تُجرَى بمعزلٍ عن الضمير والأساس الأخلاقي، أو بعينٍ غامِرةٍ، تُعجِز عن ملامسة الحقيقة. ولذلك تُعاني هذه القراءة من صعوبةٍ في فهم الوقائع، وغالبًا ما تفشل في فهمها. ولا سيّما إذا كان الإنسانُ تحت تأثير الشهوات الأنانية، فإنَّه يقيس حقيقة الآخرين بما في داخله، ويُدرِكها ويُفسّرها على هذا الأساس. وإذا لم يُدرك نور الآخر الداخلي، ولا تكوينه الاجتماعي، ولا صفاءَ ذهنه، وقعَت أفكاره في أسرِ الأوهام، في تفسيراتٍ خاطئةً، وارتباطاتٍ عَجائِبيّةً، وشَوَّهت الحقيقة.

والسعيُ إلى إحياء الإرث الثقافي غير المادي، وهو في نفسه عملٌ مُساوٍ في عمقه لِإبقاء صوتٍ قديم حيّا، يحتاج إلى صدقٍ ووعيٍ عميق. فالجمع بين القديم والجديد لا يُكبّر الإرث فحسب، بل يُعمّق جذور الروح، ويُحيي الذاكرة. غير أن هذا السبيل ليس سهلًا، بل يُشبه حملَ حرارة النار، فإنّ الإرث القديم لا يُحمل بالراحة، بل بالتَّفاني والاندماج. ومن يدخل هذا الطريق لا يُختبر بالعمل والإنتاج فقط، بل بقدرةٍ على تجاوز ثقل الأنا، وباستعداده على أن يردَّ على النقد السلبي ليس بِردّ فعلٍ، بل بتأثيرٍ رشيدٍ ومتوازن. فالإبقاء على الإرث يتطلّب فهمًا وعملًا، إلا أنَّ ما تُنْتِجُه هذه المعرفة والجهد ليس إرهاقًا، بل نُضجًا في الروح، وصبرًا في القلب، وصدقًا في اللسان، وثباتًا في الخُطَى، وثروةً داخليّةً تُلبّسُ الخطوات روحَ الاستمرار. ومع هذا الاتزانِ الروحي، إذا غذَّى الإنسان عمله بروحِ وعيٍ روحاني، أُدرِكَت الحقيقة في داخله، وفي المجتمع، بوضوحٍ أَشد، وسلامٍ أعظم.

وبحسب سنّة الحقيقة، لا مفرّ من أن يسقطَ قناعُ ما هو زائف، وتُبصرَ العيونُ قصّةً حقيقيةً تُصعد إلى العلن كما يرتفع الحجر من قاع الماء رويدًا رويدًا. وحين يُفهم الجانب الخفي، يظهر الإنسانُ بذاته وتكويناته في صفاءٍ وضوح. ثم في آخر المطاف، ينفُذ صوت المثابرة الصادقة من بين ستور الأهواء الأنانية، وينبعثُ إلى الخارج ليُدرَك ويُفهم. فعالمُ الإنسان الباطن هو الذي يُحدّد لونَه وصورةَ ظهوره الخارجي. وهو تربةٌ لِقيمِه ومعتقداته، ولدوافعه الخادمة، وللأثقال التي يحملها صابرًا، وللتضحيات الخفيّة التي لا يُعلَن لها صدًى. فالأحمال التي تُحَمَلُ بصبر، والتضحيات التي تُقدَّمُ سرًّا، تُشكّل عروقَ تلك التربةِ الميتافيزيقية.

وحكايتي، من أصلها، كأنّها مسيرةٌ تجري في عروق تلك الأرض الخفية، على وجه المدّ والجزر. وربّما بدا للناظر من خارجها أنّي انغرقتُ في تيار الأحداث، لكن في الحقيقة فإن يدَ رحمةٍ خفيةٍ كانت دائمًا هي التي تُوجِّه مسارَ حياتي ومجريها. ولهذا فإنَّ قولَ أينشتاين يحمل في عيني كثيرًا من المعنى: «إنّ ما يجب أن يُفعَل ينبغي أن يقومَ أوّلًا على دافع الحبّ والعدالة.»

حكايتي، إذن، حكايةٌ نَمَت في الخفاء، ثم ظهرت إلى العلن، صاغتها مثابرةٌ صادقة، ووعيٌ مُشبعٌ بالرحمة. وهي لا تُشبه سواها، ولا تُجبر على أن تُشبه؛ فإنَّ ما يُكوّنها من تعليمٍ وفهمٍ وفلسفة، وخدمةٍ وحججٍ وآراء، وخياراتٍ وانفعالاتٍ، وأفعالٍ ومرجعيات، إنّما هو تكوينٌ خاص بها، لا يُعاد في نسخٍ أُخَر. وفي كل خطوةٍ خطوتها، وفي كل ساحةٍ امتدَّ ظلُّها إليها، التصقتُ بروحِ التماهي والإخلاص.

والوعي المسيحي، الذي يُطعم العالمَ فكري ويُوجّهه، يُقدّس انسجامَ القول والفعل. وفي هذا الوعي، لا تكفي المعرفة وحدها، بل تُكتسب معناها حين تَتحوّل إلى عملٍ واقعي. فالخير إذا بقي في حُجر الخاطر، أظلمت الروح؛ وقد ينشأ الشر أحيانًا من التوقف عن الفعل، بينما يتجلّى الخير في حركةِ الوعي الرحيم الصادر من القلب. وكما ذُكِر: «فمن يعرف أن يصنع الخير ولا يفعله، فهذا خطيةٌ له» (يعقوب 4: 17). غير أنّ التجربة الإدارية تنبئ أَنَّه لا يكفي أن يكون الإنسان في نيةٍ سليمة، بل يجب أن يُراعي ألّا يُصيب غيره بضرر، حتى ولو كان ذلك عن غير قصد. فالرحمة التي لا تُراعي شهوات الآخرين الأنانية قد تُثقل الروح، وتجعلها أثقل حِملاً. والرحمة التي تتجاوز حدودها قد تُفسِد، والتضحية التي تُفرَّط في قياسها قد تُنهك. وحسنُ النية إذا خدَمَ دوافعَ سَيئةً أو استغلالًا، قد يُفسِد السكينة. فإن لم يطلب الطرف الآخر خَدمةً ما، فربّما لا يُدرَك ذلك الفعل في الحقيقة إحسانًا دائمًا. لأنّ غاية الإحسان، وحدها، أن تكون الإحسانَ بذاته، لا طريقةً لِكسبِ مَيزةٍ أو مُنّة.

ولهذا، فإنّ سَبيلَ المساهمة في تيارالحياة باتزانٍ، يمرّ من خلال وعيٍ رفيعٍ قاهرٍ لتحليل الواقعة. وأمّا عند مَن لا يُسكتُ جَلَبَه الداخلي، فتَبْدو مكارمُ الاحترام للذات، ومراعاةُ الحدود، أنبلَ وأَثمنَ أنواع الإحسان. ومتى حُفِظت الحدود، استَقَرَّت قيمةُ الشخص، وارتفعت مكانته. وعندها فقط يُدرك الإحسان معناه الحقيقي؛ إذ يُعطي سكينةً، ويُرفع الروح.

غير أنّ في أرضنا، قد يُساء فهم روح الوداعة والتّفانِي، التي تُقدِرُ الآخرَ كما تُقدِرُ نفسَها، وغالبًا ما يُخطَأ عليها، ويُظنُّ أنّها ضعفٌ، لا قوة. ويخشى ذلك من أن يُساءَ فهمُ الخدمة المقدَّمة بها، وغالبًا ما تُقدَّر أقلَّ مِن قيمتها. وقد عاش هذا الأمر على أرض الواقع القديس مار إفرام (306–373)، فخطَّ في سجلِّ الزمن، مِن زَمانه إلى يومنا هذا، ما يلي: «ܐܶܢ ܐܶܬܡܰܟܟܬ ܚܰܫܒܽܘܼܟ ܕܠܳܐ ܚܰܘܪܳܐ» «إذا تَمكَّكتَ (تواضعتَ)، حَسِبُوكَ جاهلًا».

وبحسب قاعدة: «النحلة التي لا تخرج من خَلَّيتها لا تُخرِج العسل»، فإنّ المعارف التي تُكتَسَب بعد بحثٍ مستمر، لا تُدرَك كثيرًا إلّا بقلبٍ أو حبٍّ أو أدبٍ، فتُغَلَّفُ بِها وتنطَبِعُ في النفس. وعندها فإنَّها لا تُبقَى فارغة، بل تُعلّم الإنسان دائمًا شيئًا. ونتيجة بحثي، أدركتُ أنّ نورَالثقافة السريانية، التي أضفتْ أبعادًا جديدةً إلى تاريخ الفكر، وإنْ كانت قد تُخَيّمَ عليها الغُبَار، وشَخَّصَها الزمن، فإنّها ما زالت تَصدِرُ صوتَ فكرٍ يُحيط بالقرون، كأنّه نبضُ عصرٍ حاضر. إنّها صوتٌ حَزين، يُنادي إدراكًا مُصابًا بالجرح، ويدعو إلى الاستيقاظ. وهي صوتٌ يُقاوِم الغُربة عن الذات، ويدعو إلى النظر في مِرآةِ الوجود.

إنّ هذا الصوت الحزين القادم من الطبقات التاريخية، يُثير في صدري رياحًا مريرة، في الوقت الذي يتركُ على وجهي ابتساماتٍ حريرية، نابعةً من صدقه الخاصّ. وانغماسي في البحث عن الحقيقة التي يُقدِّرها هذا الصوت، مُنذ سنّ النضج المبكر، جعلني أسمعه أكثر فأكثر. فكلّما عرفتُ هذا الصوت، أخذتُ أُحفرُ في نفسي، وكلّما حفرتُ في نفسي، وجدتُ ذاتي، وكُلّما وجدتُ ذاتي، تعمّقتُ أكثر، وكُلّما تعمّقتُ، شممتُ العظمة والمنزلة في داخلي، لا في خارجي، وابتَدَأتُ أبحثُ عن الكبرى في القلب، لا في الظاهر.

وفي سياق هذا التحوّل، بدأتُ أعطي قيمةً أكبر للقيم التي تُوجّه إلى الأخلاق والفضيلة، واعتبرتُ نقصي في نظري مكسب، وتعلّقتُ بتلك القيم بِأدبٍ نابعٍ من القلب. وحين تشبّكتُ بها، تعلّمتُ أن أرى نفسي في مِرآتها، ومع تعلّمي، شعرتُ بتغيّرٍ في قلبي، وروحي، وعقلي. فدفعني هذا الإحساس إلى رحلةٍ داخلية، نسختها الجديدة من وعيٍ أضافت إلى نفسي وعيًا جديدًا، وغيّرت شكلَ حياتي وجريانَها. وحين وجَّهتُ وعَيي، بروحِ «الراعي الصالح» (يوحنا 10: 14–16) وبدراسته النفسية الإيجابية، نحو القيم الأخلاقية، امتنعتُ عن الحكم، وبحثتُ أكثر عن القدرة على الفهم الإنساني بالتعاطف.

وبالاستفادة من منهج الفيلسوف الإكلينيكي، ركّزتُ على الوردة [2]أكثر من الشوكة، ورغم أني كنتُ أُدرك الشوكة، فقد أعطيتُ للوردة قيمتَها، وَنَظَرتُ إلى الإنسان المسيحي كبُعدٍ أعمق، فحاولتُ ألّا أسقطَ في نوعٍ من «الإنسانية الزائفة»، مع الحفاظ على قيمَةِ كلِّ إنسانٍ. وجعلتُ من فهمِ حالِ الإنسانية، وتقديمِ المساهمةِ لِمن يطلبها من قلبي، أصلًا ثابتًا، فلم أنضمْ إلى طائفةٍ ضيقة، ولم أُقيّد نفسَي في هويّةٍ حزبية. وفي تأديتي لمهمّتي، خلطتُ مفهومَ «الوضوحِ الرحيم» بثقافةِ الاحترام، وجعلتُهما سلوكًا واحدًا، وحرصتُ في معاشرتي الاجتماعية على أن أكونَ صريحًا وصادقًا، وأستخدم لغةً لا تجرح، وسعيتُ لفهمِ العقل الجمعي السائد، دون أن أسقطَ في تأثيره.

لم أقُل: «أنا أولًا»، ولم أَقُل قط: «أنا وحدِي»، بل قبلتُ الآخرَ كما أقبلُ نفسي، غير أنّي أحملُ ثقلَ هذا القبول، وآلامه، وصعوبته، في مفاصلِ عظامي. لكني أعلمُ أنّ كلَّ تلك التوترات والتجارب، قد عَمقَت حدودَ ذاتي كما يعمّقُ الكتابُ قلبَ قارئه، وقوّتها. فأنا أشعرُ بسرورٍ حين أُسهمُ في اختزال المعاني التي أدركتُها وتعلّمتُها، وأَزرعها، بلا تمييز، في نفوس مَن يشاطروني البيئة، وينفخون في نفسِ الهواء، الصغارَ والكبار، القريبَ والبعيد، كلِّ مَن يُشاركُني في الحياة، منطلِقًا في سياقاتٍ تُجيبُ احتياجاتِ العصر وتُغذي الإنسانية.

واخترتُ أن أقفَ بمسافةٍ معتدلةٍ وعاقلةٍ بين الجمعيات المدنيّة، والأفكار السِّياسية، وأحترمُ عالمَ القيمِ والمعاني، فلا أقفُ خلفَ الموجات، ولا أسبحُ في مياهها فقط، بل أُقدِمُ خطوةً أخرى، فأحتفظُ في النظرة، وعمقِ الفهم. وبنّيتُ سلوكي على هذا الاتجاه، وبفضله نلت الاعترافَ والثقة، وحَظيتُ بالانجذاب الوجداني. فخدمةُ هذا الوعي، بوجهة نظرٍ واسعة وشفافة، كانت تسيرُ على قاعدةٍ واضحة: أنّ اكتسابَ الوعي شيءٌ، وأنّ التصرّفَ بِهذه الوعي شيءٌ آخر.

وتحمّلتُ مسؤوليّتي الإداريةَ دون الانزلاق إلى المتيسر والانفعال الزائد، وبدعمِ منطقِ «الشمولية» لِفكرةِ الشملويو، وبدافعِ القول: «ما يُبدؤه ويُتمّه، فذلك مُبارَكٌ»، وجدتُ نفسي أمام رسالةٍ لا تُضيعُها ضجّةُ الجمهور، ولا تكتفي بإنْقاذِ اليوم. فهذا الدافعُ يُعنى ببناءِ الغد، وتحضيرِ[3] مستقبلٍ يُدركُ ما هو خفيٌ وراءَ السطح. وعندما يُعمّقُ الإنسانُ روحَه، يُوسّعُ أُفقهُ أيضًا، فيرافقهُ الحكمةُ والمعنى، ويرتكزُ عملُهُ على الحقّ والعدالة.

في مراراتِ الإدارة وسُبُلها الضيقة والشاقّة، لم أُهرب إلى الأنانية، ولم أُعلنَ لنفسي تفوقًا، بل بذلتُ جهدًا عظيمًا، وعَبِثتُ كثيرًا لكي أبقى أنا نفسي. ولكنني اضطررتُ أن أدفعَ ثمنًا باهظًا لِجهدي الذي شدّه روحُ التماهي، ومررتُ بمشقّاتٍ وآلامٍ وضَنَين. فحين عملتُ بِعاطفَةٍ وحبٍّ لثقافتي، وسعيتُ للتيسير، وخفّفتُ الأحمال، ورفضتُ أن أُنحدر إلى المُجَانَبَةِ الواقعيةِ أو الإجبارِيّة، وجدتُ نفسي، عوضَ دفءِ الضمير، واقعًا في مهبِ توقّعاتٍ قاسيةٍ تُرهق الروح، وإلى لَطمةِ أوهامٍ وسوءِ الفهم؛ فمن الوعي المُشَرَّط أَنْبَتَت أحكامٌ سلبية، وفُهمٌ خاطئٌ للعلاقات.

وأنا، رغم كلّ ما حملتُهُ جيلًا عن جيل من آلامٍ وشُقى ثقافةٍ مُحتَضَرة، أُصرّ على أن أقولَ إنّي درستُ بعنايةٍ الخلفية الفكرية التي تُطلِقُ تلك التوترات، ودافعَها الأصيل، في هذه الأرضِ المضطربة. فلم أُولدْ في جَهلٍ بها، وإنّما فهمتُ من أين ينبعُ الألمُ، وكيفَ تُولّدُ الذاكرةُ العميقةُ هذه المعاركَ الظاهرة.

ولم أصعُدْ إلى أيّ موضعٍ على أكتافِ الآخرين؛ ففي سنّ مبكرةٍ فهمتُ أن أرضًا لا تُبنى بجهدٍ ذاتيّ لا تُعَدّ مُلكًا حقيقيًّا للإنسان، ولا يُرجى لبِقائه عليها معنى. وثَقِلتْ في قلبي مقولةٌ أُحيطُ بها يقينًا: «النِّقدُ الهدّامُ يستهلك، أمّا المديحُ البناءُ فيُنتِج». وفهمتُ مُقدّمًا أنَّ الوردة التي تُوضعُ على قبرٍ لا تفهم لغةَ هذا القبر، ولا تُدركُ ثقَلَه وصمتَه، فاتَّخَذتُ مفهومًا يُركّزُ على الإنسان، ويُقدّمُ خدمةً قائمةً على الاهتمامِ به. وجعلتُ من إعطاءِ الإنسان قيمَتَه، وزيادةِ قيمةِ القيمةِ بِتَحَفُّظٍ، وتقديرِ العمل، أساسًا لحياتي.

وتمامًا كما يُقال: «أعظمُ النجاحات في الحياة أن يُجيدَ الإنسانُ التعاملَ مع ذاته»، فلم أُحاربْ أحدًا، بل حاربتُ نفسي، وطالَ هذا الصراع، وتوسّعَ، وتطوّر، حتّى تحوّلَ من تناقضاتٍ ومواجهاتٍ إلى فهمٍ مُكمّل، يُصلِحُ بين الأضداد، ويرى في العدوّ أخًا، وفي المُنافسِ شريكًا. وعندَما أطبقتْ عليَّ فتراتُ الظلامِ الكثيف، جعلتُ من فهمِ المسيحِ ضياءً يُضيءُ طريقي، وقائدًا لا يُكلّف، بل يُلهِم.

وممّا لا رَيبَ فيه أنّي تعرّفتُ في سنٍّ مبكرةٍ على نورِ الثقافةِ السريانيةِ وحِكَمِها، وتحتَ ذلك الضوءِ، وتحتَ تلك الحكمة، غطستُ في أعماقِ الأدبِ والفكرِ. ووجبَ عليَّ، في ظلِّ الواقع الاجتماعي الذي نشأتُ فيه، أن أُعانيَ من عُمقِ هذه الغُوص، وأن أُفكّرَ في مصيره كثيرًا، ثم بعدَ زمنٍ، تحوّلَ غَوصي هذا إلى عناقٍ واندماج. ورغمَ الضغطِ الخانقِ للأحكام السلبية، لم أُنحرفْ عن آثار ذلك النور، ولا عن طريقِ الحكمة، ولم أُهرِقْ قطُّ رونقَ ذلك العناقِ الأخلاقي. ورغمَ ضيقِ المفاهيم، وسطحِ النظر، وسوءِ الترابط، ظلّ لِنَفْسي أن أحملَ رسالةَ إحياءِ ذلك النور، وتوسيعِ تلك الحكمة، مسؤوليةً وازنة، حتّى وإن كان هذا يقتضي تحملَ الأذى، ودفعَ الأثمان.

ومن تلك النورِ والحكمة، فهمتُ أنَّ حياةَ الإنسان لا تُقدَّرُ بما يملكه، بل بما يُضيفهُ إلى المجتمع، وبما يُلمسَه من أرواحٍ، وبما يُتركُ خَلفَه من نَفعٍ وخير. فتعلّمتُ هذا الحقيقةَ في مُهَّلِ الشباب، وجعلتُها منارةً لِطريقي. وبهذا الوعي، واصلتُ سيرتي الطويلة، أحيانًا بِجَناحينِ مكسورَيْن، وأحيانًا بِمقدّراتٍ ضَئيلة، ولكن دائمًا بِإرادةٍ وَتِرةٍ وَعَاقِلة. وأنا أُجزمُ أنّ كلَّ ما بذلتُه من جهد، رغم كلِّ العثرات، ليس مُلكَ أحدٍ وحده، بل هو جزءٌ من ميراثٍ جماعي، نقلَهُ هذا الشعبُ المُعذَّبُ عبرَ الزمن، من آمالٍ وآهات، حتّى وَصلَ إلى يومنا هذا. فإنّ موقفًا صادقًا، يستمرّ فوقَ حدودِ المُجَازفة، تتجاوزهُ أقدامٌ إلى مُستقبَلٍ، وتجدُ فيه معناه الحقيقيَّ في الزمنِ البعيد.

وانطلقَتْ حكايتي من إلهامٍ مستمدٍّ من فهمِ المسيحِ بوصفِهِ «الراعي الصالح» (يوحنا 10: 14–16)، فرأيتُ خدمةَ البشر، ليس باعتبارها واجبًا، بل كطبيعةٍ نفسيةٍ وسلوكٍ عفوي. ولهذا، تَنَمّتْ حكاياتي في رحابِ محبّةِ الذات، واحترامها، وقيمتِها الخاصّة. فحين انطلقتُ، لم أُبعثرْ مساري وفقَ رياحِ الخارج، إنّما حَسَمْتُ اتجاهي بِصوتٍ داخليّ قويّ. واستبدلتُ الإفراطَ في التطلّعِ إلى ما لا أملكه بِالتركيز على ما يُمكنني تحسينُه وإدارتُه، وتشييد على ذلك بنياني.

وقد بدأتْ حكايةُ حياتي في زمنٍ عاصف، وسطَ أحكامٍ مسبقة، وتوتراتٍ، ومشقّات، وتجاربِ استبعادٍ واغتراب. وخلطَ هذا الزمانُ بينَ شعورِ التماهي، وروحِ التضحية، فصاغَني من جديد. وفعلاً، لم تكن تلك الرحلةُ سهلةً في أرضٍ كهذه، لكنّ حبّي الذي أحتضنهُ في قلبي تجاهَ الثقافةِ السريانية، والتي قدّمتُ لها التضحيات، وحمَلتُ لها الأثقال، لا يتعلّقُ بِمظاهِرها المادّية، بل بِبُعدِها المعنويّ، واهتمامًا بأدائها ومستقبلها، إنّما هو ثمرةٌ لِبَذرٍ وَضعَهُ أطفالي في قلبي، وَنَمَى، وَظَهَرَ. بل هو جهدٌ يُمثّلُ واجبًا فُرضَ عليّ، وَرِسالةً لا أُريدُ أن أُسْلِمَها إلى الريح. وروحُ هذا الاجتهاد يُشبهُ نَصًّا: «لا تُطفِئوا الروح» (تسالونيكي 5: 19)، فهذا نَفْسُ همّي في صونِ ما يُطلَقُ من نورٍ، ومحاولةُ استِغلالِ معرفةٍ ما كانَ يُهملُ، وَأورثه في مُستقبلٍ أقدس.

ولهذا، لا يُرَدّ على أحدٍ شيء لم أكسبه، ولا أمرٌ لم أُقدّرْ أن أحملَه. فالإنسان، في حقيقته، لا يُبنى إلا بِغِناهِ الداخلي، ووعيه بالمسؤولية، وبِم  الإيجابيةِ التي يُقدّمها لمجالِ خدمته. وباختيارِي أن أمشيَ في ضوءِ هذه الحقيقة، حاولتُ أن أُوجَدَ بِأقدامي الوَحيدة، وبجهدي الوَحيد، كأنّني أَنْقُشُ في الحجرِ بِإبرةٍ، لأَبني نَفْسي، وَأَحْتَمِلَ في الوقتِ عَينهِ أن أَكُونَ جُرْحًا يُضيءُ لِلآخرين، لا أن أكونَ مجرّدَ ظلال.

وسَيَرتي في هذه الطريقِ احتاجتْ إلى أقصى درجاتِ الحساسية، فحينما واجهتُ صعوبات، وَجَدْتُ نفسي أُمزجُ بين معركةِ البقاء، ووعيِ أن أكونَ الجُرحَ القادمَ من ضوءٍ، وتحملَتُ مهامَّ متعدّدةً بهذا الفهم. وَنَمَوْتُ مِن ترابِ جُهدي، ونَضَجْتُ تحتَ شمسِ صبرِي، وَبَنَيْتُ مَوقِفي الأدبيَّ على الجذورِ الروحيّةِ لِنفسي، وَحَمَلْتُ وعْيَ الحِملِ الذي أَحْمِلُهُ، وسَارَ قلبي واثقًا ومتواضعًا، لا يميل، ولا ينثني، ولا يُغيّرُ اتجاههُ حسبَ هبوبِ الرياح [4]

لم أَنفكَّ عن مدارِ حكاياتي قطّ، بل التَفَفتُ بها، وتمسّكتُ بها، وتمسّكتْ بي. ولذلك فقد غُرستْ حكايتي في عرقِ التضامن، وعَرقِ التضحية، وعَرقِ الاهتمامِ بالآخرين. فَقدْ تُحملُ الحكاياتُ التي يُسقى فيها الثَّمنُ، آثارًا واضحةً، وقِيمًا باقيةً. كما قال المُفكِّرُ الفرنسي لويس–فيردينان سيلين (1894–1961): «إنَّ الحكايةَ الوحيدةَ التي تُحملُ قِيمةً، هي التي تدفعَ أنتَ ثمنها.»

وقد وُلدتُ في حضنِ ثقافةٍ واسعةِ الحُزن، غزيرةِ المعاناة، ضائعةِ الأفراح، ومحرومةِ الآمال. وكان الجوُّ الذي كبرتُ فيه مملوءً بأشخاصٍ يفكّرونَ في شأنِ ثقافتهم، يتّسمونَ بمسؤوليةٍ، وصبرٍ، ويحمِلونَ مرارةَ المعاناة. وهؤلاء كانوا أوّلَ بيئةٍ روحانيةٍ لحياتي؛ ففيهم نُمتُ، ونَضَجَ قلبي وعقلي، وتشبّعتُ بمراعاةِ الشعور، وصِدقِ الحساسية. ثم تلتْهم تجربةُ تعليمي التكميلي في مديات ودير مور غبريال، وفترةُ تدريسي وإدارتي في هذا الدير، التي امتدّتْ على مدى عقودٍ.

وقد كان الصليبُ الذي حملتُهُ ثلاثينَ عامًا في إدارةِ الكنيسة هو أستاذي الأكبر. لكن لا يكفي، للإبقاء في مسارٍ إنساني، وسطَ حقلٍ بهذا القدر من الشِّدةِ واللذّةِ المُعدِمَة، أن تعيشَ بعضَ الآلام، بل يجب أن تجذفَ في محيطِ الأدبِ السرياني، الواسعِ الغَور، وتحفِزَ نفسكَ لِمسافةٍ طويلة. فمِن غيرِ الرجوعِ إلى الكُتَّابِ القُدماءِ والمعاصرين، قد يكونُ بناءُ موقفٍ أدبيٍّ جديدٍ أمرًا خداعيًا. ولذلك، في زمنٍ شديدِ الظروف، سرتُ بِقلمٍ يُذكِّرُ بالأدبِ، وسَرتُ بِأخلاقٍ وثباتٍ، أعلمُ أنَّ كلمةً تُضيعُ، تُفقِدُ جزءًا من الروح، وأنَّ قيمةً تُنسَى، تُنقصُ شيئًا من معنى الماضي. ففي وسطِ هذا النقصِ الظاهر، وَسطًا أحكامٍ سريعةٍ وروابطَ خاطئةً وتصوّراتٍ مُعكّرة، اخترتُ بِعنادِ الإرادةِ أن أُحافظَ على وجودي، وأن أذكّرَ بما نُسِيَ. ثابرْتُ، فثباتُ الإنسانِ معنىً للشجرةِ التي تتعلّمُ أن تُثبتَ جذورَها، رغمَ عاصفةِ الرياح، وأن تُحافظَ على قامةٍ مُستَقِيمة، ولو كان ثمنُ ذلك الخَطَأَ في مَرَّاتٍ.

ويحملُ كلُّ عصرٍ موجاتٍ خفيةً من التوتراتِ والمعارك، ويفيضُ من قلبِ الأجيال، شخصيّاتٍ يُدركُها القلبُ قبلَ العين. وفي هذا الشعور، أقدّمُ منذ خمسةٍ وثلاثين عامًا مساهمةً في المسيرِ الصعبِ للثقافةِ السريانية في أرضِها الأمّ، لا أُدينُ فيها لقوةٍ بِعضي، ولا أُعولُ على غيرِ جهدي، بل أبني على عَرقِ نفسي. فأنتمُ تَعِزونَ وزنًا مُتميزًا لتلك الثقافةِ القديمة، فأشعرُ بِقوةٍ تلك الأثقال، وأحسبُها في كلّ خطوةٍ أخطوها.

وحينَ لم يَبْقَ من قِطعِ الأملِ أَثَر، ووَلى الناسُ عن طورعابدين، وانكفأوا إلى دروبِ الهجرة، كان الإرثُ الثقافيُّ يُنسى، ويخبو الكلام، وتُغطَّى الذاكرةُ بسَحبِ الضباب. وعندما قُتِلَ أبناءُ شعبِنا، كان صدى صلاةِ الألحانِ القديمة، يُسَحَبُ بِتَرسُّلٍ من الفناءاتِ المتضائلة، وحتى الأدعيةُ المُلتصقةُ بالجُدرانِ الحجرية، بَقَتْ وحيدةً. ولكنَّ الذاكرة، في أعماقِ التراب، كانت ما تزال تَتَنهّد، والجذورُ تحملُ صبرَ يومِ الإنباتِ القادم.

وقد بدأتُ هذا الطريق، قبلَ سنواتٍ، بقلبِ طالبٍ للحكمة، مُكرّسًا لإراضي الأرضِ التي أنجبتني، ولغتي، وكرامةِ الإنسان. ففي كلامي، لا أحملُ الحروفَ وحدها، بل أُضيفُ إليها صبري، وحُزني، وأملي، وَنَسَجْتُ المسيرةَ طريقةً أدبيةً تُمتدّ من جذور الماضي إلى اليوم. وأعملُ على إعادةِ تفسيرِ الميراثِ الفكريِّ والأخلاقيِّ للثقافةِ السريانية، في ضوءِ احتياجاتِ العالمِ المتغيّر، فأضيءُ جروحَ يومنا، وأتقدّمُ بِصوتٍ لمُستقبلِنا. وتمتدُّ أعمالي نحوَ الحفاظِ على هويّتِنا الثقافية، والتماهي مع  ميراثِنا الروحي، وجعلِ صوتي معنىً لِلأشياءِ المُهمّلة، والمعاني المُنْسِية، والكلماتِ المُنَعّمة. وبما أنني أُقدّرُ أنّ سعيي يُساعدُ الشعبَ السريانيَّ على مواجهةِ وعْيِ هويّته، وعلى أن يُحَوِّلَ مرآةً لِرؤاهِ الخاصة، وَيُطالِبَ بِالحُقُوقِ.

في مَهَمَتي التدريسية في دير مار كبريال، لم أقتصر على تعليم اللغة السريانية وحدها، بل بذلتُ جهدًا شديدًا لنَغرسَ في نفوس الطلاب طبقاتِ هويّتِنا، وجذورَ روحِنا، وقيمَنا العُليا، بخليطٍ من الحبِّ والانضباط. وكانت نتيجةُ هذا الجهد أنّني أحملُ على عاتقي مسؤوليةَ النهوضِ بأبناءٍ ناجحين، ودمجِهم في خدمة الكنيسة والمجتمع، فأواصلُ سقيَ وري هذه البقعةِ بِتضحيةٍ ووعي، بِوَعيٍ أنّ الخلقَ الظاهريَّ للعَوَاقِدِ الانتهازيةِ يُطَلَبُ مزيدًا من الشفافيةِ الأخلاقية، وأنّ الضميرَ يجب أن يكونَ محورًا ثابتًا، وقَلَبَ العمل.

وأنا في كلِّ مساهمةٍ، وفي كلِّ لمسةٍ إنسانيةٍ، وفي كلِّ سطرٍ، وفي كلِّ حَرْف، أشعرُ أنّي أتَكَاثَرُ أكثر، وأنّي أقوى، وأنّي أقتربُ أكثر من ذاتي. ولهذا أحيانًا، حين أهدأُ، أجِدُ نفسي في سلامٍ عَجِيب، كأنّ حكايةَ حيَاتي، إنّما تَبْدَأُ من جديدٍ، من حيثُ وقفتُ. [5]

وإنّ المسيرةَ التي تَتَجَدَّدُ كلَّ يومٍ، تُقامُ على أهمِّ حجرٍ فاصِلٍ وهو المسيح؛ فحاولتُ أن أُشكّلَ فهمي الإداري والاجتماعي بالإِرشادِ الذي يُنبعُ منه. وعندما أرى أن الخير لا يُثمرُ إلّا بِالصدق، وأن الصدقَ لا يَتَنَفَّسَ إلّا بالصدقِ وحسنِ النية، وأن الصدقَ وحسنَ النيةِ يتكاملانَ في المسيح، فهذا ما يُثبّتُ رؤيتي، التي تُركّزُ على الأخلاقِ والضمير.

وقد وُجدتُ في مواجهةِ عروضٍ ماديةٍ شديدةِ الجاذبية، تُريدُ أن تُضِلّني عن رؤيتي، غير أنّي لم أُهملْ، حتى بعد كلِّ الانكسارات، أن أبقى مُستَمِرًّا على طريقٍ واحد. فمحبتي لثقافتي ليست نوعًا من الهويةِ العابرة، بل هي أمانةٌ أتَلقّفُها من الله، وذكرٌ يُنادِي في قلبي.

وكانَ الدربُ مملوءًا بحجارةِ الأحكامِ المسبقة، لكنّني جعلتُها تحتَ قدمي، وعلوتُ بها، واتَّبعَتُ نَمَطَ “الراعي الصالح” (يوحنا ١٠: ١٤–١٦)، وَصَنَعْتُ مُحاولةَ فهمٍ للتصوّراتِ السائدة، بِحِكمةٍ ومحبة. فحياةُ والدي الفقيد الأب توما، وحياةُ جَدِّي يوسف، اللذين وضعَتْهُما خدمتهما الروحيةُ واهتمامُهُما بالميراثِ الروحي، في مراكزَ تُستَمَدُ منها الدروس، ويُتَذاَكَرُ فيها ثقلُ التضحيّة؛ فقد دفعا ثمنًا باهظًا من أجلِ هذا الميراث، وعَرَضَتْهُمُ الظروفُ القاسيةُ والفاقدةُ لِموقفٍ اضطّراريٍّ ومعاناة. إنهم كما مَن يَمُرُّونَ بِواديِ الموت، ويدفعونَ أرواحَهم ثمنًا لإبقاءِ ذلك الإرث، وقد أَوْحَتْ هذه المُواجهاتُ إلى تساؤلاتٍ عميقةٍ، استنبطتُ منها رسالةَ الاهتمامِ بِالثقافةِ الأصيلة، وبحكمِتها القديمة، وتحملَتُ مُهمَّةَ تأديةِ ذلك الواجب. وفي هذا السياق، مَرَّ بي شعورٌ بالوحدة، لِسوءِ فهمِ المقارباتِ الضيقة والسطحية، لكنّني لم أكن وحيدًا؛ فكلُّ نيةٍ صادقة، وكلُّ حَرْفٍ سرياني، وكلُّ لحنٍ ديني، تُضيءُ في روحِ من يشعرُ بلذائذِ الخدمة، كان يُصحِبُني بصلاةٍ خفيةٍ، وهمسةٍ سَكِتَةٍ هادئَة، في المسيرة. ولم تكن وقفاتي ذلك صَوتَ غضبٍ، ولا صوتَ معارضةٍ، بل صوتَ مسؤوليةِ الضمير، وصوتَ الانتماء.

وفي كلّ خطوةٍ، حملتُ في قلبي رائحةَ الماضي، ورائحةَ الآمال. وعرفتُ أن أعمقَ المعاركَ، هي تلك التي تُكافَحُ في الخفاء، وأن بعضَ النجاحات، في الأوطانِ المُتأخِّرة، ومحيطِ الأفكارِ المُستَعمَرَة، تُتركَ في الخلف، وتجاهَلُ، لكنّ هذه اللامبالاةَ ليست رفضاً، بل شهادةً صادقةً تُدونَ في مِقْسوَةِ القلب، ويتَولَّدُ في موضعِ التقاءِ الإلهيِّ بالثقافي.

واليوم، حين أنظرُ إلى الخلف، لا أُشكِّكُ في كرامةِ هذا الدربِ الطويل، مهما كانت شوكًا، وروحي راضيةٌ، لأنّ خدمتي المُطولة، لم تخدمِ الثقافةَ السريانيةَ وحدها، بل أيضًا بحثَ الروحِ الإنسانيِّ عن الحقيقة.

وما زلتُ في هذا المكان، وما زلتُ أَعْمَلُ في نفسِ المجال، لأنَّ الثباتَ والدوامَ ليسا فعلًا مؤقّتًا، بل طريقةُ كونٍ ووجود. وقد تحوّلَ هذا الوجودُ إلى حكايةِ حياةٍ واحدة، حيث يمكن لكلِّ كلمةٍ أن تُقاوِمَ فِكرَةً، وكلِّ جملةٍ أن تُكوّنَ فقرة، وكلِّ فعلٍ أن يُكونَ فقرةً أوسع. لكنَّ الحكايةَ التي تُكتبُ بقلمِ التجربةِ والعمل، يجب أن تُصاغَ بِإرادةٍ ذاتيةٍ، وباختياراتٍ واعية، وليست عَمَلَ العُجافةِ. ونَقْدُ الدربِ، لا يُنفَّذُ بِقواعدِ اللغة، بل بِعلومِ القلب، وبحكمةِ الضمير.

وحين أنظرُ إلى حكاياتي، أرى أن بعضَ فُصولها غير مُكمّلة، وبعضَ سطورها مكسورة، وبعضَ صفحاتها مُستهلكَة، لكنّ هذا الوعيَ هو ما يُطلِقُ حقيقةَ التحوّل، ويدفعني إلى استكشافِ وعيٍ جديد. فحياةُ الإنسانِ ليست سِحْرًا، بل رحلةً تُسَيّرُ بِالوعيِ والحكمة. وتحويلُ الذاتِ ليس أمرًا يُؤتى من خارجِ الإنسان، بل يُنبعُ من داخلِه.

ومهما أُجبِرتُ، فقد آثرتُ أن أُعَدَّ نفسي بنَّاءَ حيَاتي، بناءً على مُرشِدٍ لِأجدادِي، وعندما أرى أن كلّ ما حصلَ في حياتي، هو صدى لأفكاري، وأقوالي، وخدمتي كما تُفهمُ أو تُساءُ فهمها، فأنا أُحمِّلُ نفسي مسؤوليةَ هذا العنوان، ومساءَ الحكاية. وتحَمُّلِ هذه المسؤولية، هو قوّتي الكبرى، لأنّها إحساسٌ مقدّسٌ ينبتُ في الضمير، مع توسّعِ المعرفة، ومع كلّ معرفةٍ تأتي مسؤوليةٌ، ويتَوسّعُ وعيُ الإنسان، فيُفكِّرُ لا لنفسه وحده، بل للجميع، فيستوي بذلك في قلبِ الوعي، ويشكّلُ أوضحَ مؤشِّرَ على نضجِ الوعي.

إنّ رحلةَ الإنسان في عالمِ الروح، تبدأ بتحقيقِ نموّه الشخصي، وتأكيده أنّ ما تعلّمه يُنعكسُ في حياته اليومية، ثمّ يُقدّمُ بفقد هذا الوعيِ مساهمةً في محيطه القريب والبعيد؛ فهذا أوّلُ درجاتِ اليقظةِ الضميرية. وفي السياقِ الربّاني، يُعطَى كلُّ إنسانٍ أكثرَ من مرة فرصةً لإصلاحِ ذاته، ورفعِ قيمتها، وبناءِ الإنسانِ الداخليّ. فكلما أحسنَ توظيفَ هذه الفرص، وانتَفَعَ بالتجارب، ازدادَ فهمُه، وعاشَ يتذكّرُ نهضةً داخليةً واضحةً. وثمرةُ هذه النهضةِ الظاهرة، هي التَّطوّرُ الحقيقيّ؛ فالأولويةُ للإنسانِ أن يُحسّنَ ذاتَه، ثمّ يُحاولُ أن يُسهمَ في تشكيلِ الصورةِ الاجتماعيةِ الجَمْعية.

ومع عُمْقِ شعورِ الإنسانِ بالمسؤولية، يُستَحَدَثُ في داخلهِ وعيُ الوَزِيرة، أو فِكرةُ الواجب، فـ«الوَزِيرة/الواجب»، هي معرفةٌ قد تُفهمُ وتُحَقَّقُ، وتُترجمُ إلى عملٍ وجدانيٍّ مليءٍ بالمحبةِ والرحمة. ولذلك، فإنّ مسؤوليةَ الإنسان هي حجر الأساسِ لتطوّرِ روحِه، وتمثّلُ بلوغَ الضميرِ مستوىً ناضجًا. فالضميرُ قوةٌ إلهيةٌ مُستَقرّةٌ في جوهرِ الروح، ونورٌ يُميّزُ بينَ الصوابِ والخطأ. فإذا كانَ الإنسانُ لا يُؤدي وَظيفَتَهُ، وإذا كانَ يُمارسُ في جانبٍ مِن حياتهِ استغلالًا، وظلمًا، فلن يُحقِّقَ في باقي أجزائها أيَّ مبرّر، ولن يَنالَ سلامَ نفسٍ حقيقًا، لأنّ الحياةَ وحدةٌ لا تُقسم، ولا تُجزّأ.

ومع الغيابِ عن الأخلاقِ، والعدالة، والرحمة، والضمير، وكذلك مع غيابِ الوعيِ المُمتزجِ بالصدقِ ونقاءِ السريرة، لا يُتصوَّرُ بناءُ شخصيةٍ متكاملة. فالمعرفةُ التي تسيرُ خارجَ العدالةِ والرحمة، تُقدّمُ خدمةً للأنانيةِ والذكاءِ المُضادِ، أكثرَ مِن خدمتها للمجتمعِ والخير العام.

وما زلتُ أواصلُ المسيرةَ في تجديدِ المعاني المُضيّعة، أو المُسروقة، أو التي لم تُولدْ بعد، كأنّني أعملُ في حقلِ المستقبل، أبذُلُ كلَّ جهدٍ زراعةَ بِذورٍ تُناسبُ زمنًا قادمًا. وفي هذه السبيل، أُنشرُ مقالاتي باللغةِ السريانية، والتركية، والعربية، والإنجليزية، عبرَ الموقع: www.karyohliso.com، لأصل إلى أوسعَ مستوى من القرّاء. وكلُّ مقالةٍ تُنشرُ في الصحفِ المحلية، تجذبُ قارئًا من خلفيةٍ إثنيةٍ مُتَنوّعة، وتُقابلُ بِتقدير عالي.

وأظنّ أنّ كلَّ سُريانيٍّ واعٍ بضميرِه، يفهمُ أهميّةَ ما أقومُ به، ويرى في استمرارِ وجودِ ثقافتنا في أرضِ الأجداد، استمرارًا لمستقبلِنا، لأنّ تجاربَ الماضي، خاصةً ما يُسمّى بالزمن المُظلِم، قد بيّنتْ كيف أتتْ فوضى الجهل الروحيّ والعَمَى، بكارثيات وَأذَى شديد.

وفي المجالِ العامّ، أُعلنُ شعارَ: «أقْمِعِ الجُدرانَ، وابنِ الجُسُورَ»، وأرى أنَّ أعظمَ إرثٍ يمكنُ أن يتركَهُ الإنسانُ، هو أنْ يلمسَ قلبًا، ويُسهمَ في حياةٍ بإضافةٍ فكرية، ويغرسَ في روحِ الناسِ أملًا. فمع أنّي أستطيعُ أن أُطْرِقَ جنبَ مساهماتِي المبتكرة في الأدبِ السرياني، ومحاوِلاتِي الابتداعِيّة، فأنا أُصرّ على أنَّ الغَرَضَ الحقيقي، هو أن أسهمَ في رفعِ الوعيِ الأخلاقيِّ والثقافي، وأن أكونَ جسرًا لنقلِ القيمِ إلى أجيالِ الغد.

وبهذا الهدف، أُسيرُ سياسةَ نَشرٍ تُوحّدُ الجماعات، وتُكمّلُ بينها، وأحتفظُ بروحِ مدارسِ الماضِي، وأُقدّمُ خدمةَ مدرسةٍ حديثةٍ تتناسبُ مع الزمن. وتُسهمُ هذه الخدمة، من الناحيةِ المعرفية، والثقافية، في تطوّرِ كثيرٍ من الأشخاص، من الأكاديميين المحليين، ورُعَاةِ الكنيسة، وصولًا إلى الشباب، وجموعِ الطبقاتِ الاجتماعيةِ المُتَنوّعة، وتأتي هذه الإسهاماتُ كنتيجةٍ لِتَكامُلِ المعرفةِ والمحبة، وهما شريطا الوصولِ إلى نتائجَ حقيقيّة.

ومنذُ زمنٍ يمرّ، تُعْتَبَرُ هذه المساهماتُ حضورًا لِمدرسةٍ فكرية، وركنًا ثقافيًا، وبيتًا للفكرِ والإرث، يمكن أن يُستَمدَّ منه للعمر.

فالذي يبقى، هو بذورُ النِّيّة الصادقة، المُلقَاةُ في ترابِ الحياة، وبالرغمِ من أنّ الإنسانَ قد ينسَى، إلّا أنّ الحقيقةَ لا تنسَى، والخيرُ لا يُهمل؛ فهو الميراثُ الوَحيدُ الذي لا يُتأثّرُ بضعفِ الزمن. وكلُّ إنسانٍ يحملُ هذا الشرَف، تُصبحُ حكايةُ حياتهِ فريدةً وجديدة، لا تُشبهُ غيرها.

وما زلتُ أمشي في هذا الدربِ المُستمرّ، وأتقدّمُ بأعمالي، وأُقدّمُ أعمقَ تقديري وشكرِي لِكلّ مَن فهِمَني ورافقَني روحانيًا، وسنَدَني في طريقِي، بأصدقِ صورةٍ من الدعم.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 

[1] أُكرِّسُ هذه المقالة، التي تتحدَّث عن فلسفتي في الحياة ورؤيتي الإدارية، إلى زَوْجتي الحبيبة وأطفالنا الأحباء التي نمتْ في حديقة حبِّنا: إوكين، ويَشُوع، وزيلكا، وتاليتا، وبيروُلا.

[2] إن العبارة المرتبطة باستعارة الوردة والشوكة ذات دلالة عميقة: لم تُدرك الوردة أن الشوكة كانت تحمي نفسها، ولم تدرك الشوكة أنها بفضل الوردة كانت تُحمل على الأكفّ.

 

[3] إن عدم التشبّه بالجميع هو الطريق إلى أن يكون المرء ذاته، وأن يقدر على ذلك. وهذا هو الطريق الذي يمتلك فيه كل إنسان مفتاح وجوده الخاص. وهو في الوقت نفسه طريق الاستنارة الداخلية، طريقٌ وعرٌ لكنه جدير بأن يُسلك.

 

[4] إن الجوهرة، في نظر العين العادية، ليست سوى قطعة حجر؛ لكنها في نظر الصائغ لا تُقدَّر بثمن. لذلك فإن مفهوم المسؤولية القائم على الوعي والخدمة لا يجد قيمته الحقيقية إلا في العقول التي تدركه. أما العقول التي تفتقر إلى معرفة الصورة الكبرى، وإلى هداية الضمير، وإلى نور العدالة، فإنها تلجأ سريعًا إلى ظلال الأحكام المسبقة السلبية. وعندئذٍ تتقدم التصورات على الحقائق والوقائع؛ فلا يُصدَّق ما يُرى، بل ما يُتوهم. ولهذا تتحول التقييمات المطروحة إلى تأويلات سلبية لا تستمد غذاءها من صفاء الحقيقة، بل من مواقف الظلام. أما التفسير والتقييم المستمدان من حكمة الروح، فإنهما يقدّمان إسهامًا إيجابيًا في الحياة؛ يُنتجان الخير، ويرفعان الإنسان والمجتمع ويُعليان شأنهما. في المقابل، فإن التقييم النابع من أنانية الأنا يترك أثرًا سلبيًا؛ يُنتج الضرر، ويُثقل الإنسان والمجتمع ويُنزلهما. لأن هناك خطًا دقيقًا بين النظر والرؤية، وهذا الخط بالغ الأهمية في قراءة الوقائع. غير أن بعض من يفتقرون إلى عمق المعنى ونضج الوعي الاجتماعي، يتجاهلون أثر القلب، ويظنون أن هذا الخط الدقيق يقتصر على العقل وحده. لذلك يفسّر كل إنسان الأمور بحسب ضيق أو سعة عالمه الداخلي، ويمنح الأحداث معاني وفق معاييره الخاصة. فالشخص الإيثاري الفاضل، الذي يقدّر كرامة الإنسان وجهده، وينطلق من دوافع بنّاءة؛ يرى الآخرين مثله، ويقرأهم بحسن نية، وينظر بنقاء، ويفكر بنقاء، ويتصرف بنقاء. أما من لا يقدّر كرامة الإنسان ولا جهده، ويتحرك بدوافع فاسدة وأفكار مشوشة، فإن الأحكام المسبقة والأوهام هي التي تتكلم فيه: فالمتكبر يرى الجميع متكبرين، وصاحب الأنا يرى الجميع أنانيين. ومن يفتقر إلى الفضيلة يرى الجميع بلا فضيلة. والكاذب يظن الجميع كاذبين. والسارق يعتقد أن الجميع يترقبون الفرص. وعديم الشرف يرى الآخرين بلا عمود أخلاقي مثله. والوقح يظن الجميع متجاوزين للحدود. وكلٌّ يظن الناس مشغولين بما هو منشغل به، ويزنهم بالمعيار الذي يقيس به نفسه. ذلك لأن الإنسان غالبًا لا يرى من أمامه، بل يرى انعكاس مرآته الداخلية. ومن هنا تكتسب العبارة «المرء يقيس الأمور على نفسه» دلالتها العميقة. وفي علم النفس يُسمّى هذا بالإسقاط.

إن الجمال ليس صفة موجودة في الخارج أو في الناس فقط؛ بل يرتبط بالعالم الداخلي لمن يراه، وبصفاء روحه، وبمستوى إدراكه. فالصفاء الداخلي يجعل جمال الآخرين وفضائلهم أكثر وضوحًا. أما إذا كان العالم الداخلي للإنسان مضطربًا ومشوشًا، فإن جمال الآخر-من أخلاق وخير ورحمة وفضيلة- يكاد يصبح غير مرئي. وهذا لأن عين الناظر، أي القلب والعقل، تكون مغلقة أمام الجمال. وقد عبّر المسيح عن هذه الحقيقة بعمق: «سراج الجسد هو العين؛ فإن كانت عينك سليمة فجسدك كله يكون نيرًا، وإن كانت عينك فاسدة فجسدك كله يكون مظلمًا» (متى 6: 22–23). وهذا يدل على أن العين ليست مجرد أداة لرؤية العالم الخارجي، بل هي مركز يُنير أو يُظلم به العالم الداخلي كله. فالجمال ليس في المنظور، بل في صفة الناظر. والعين التي ترى الجمال إنما تعكس الجمال الكامن في داخلها. فجمال العين يولد من نور الروح. والعين التي ترى الجمال تدل على روح جميلة ويقظة. مثل هذه العين ترى المعنى والانسجام في الآخر وتقدّره. أما العين التي لا ترى، فإنها تنظر من وراء حجاب ظلمتها. لأن «جوهر الإنسان هو ما تعكسه عينه؛ فالعين باب القلب، وإذا تلوث القلب خبا نور العين». لذلك فإن من كان ذهنه مشوشًا وقلبه معتمًا، مهما نظر إلى مناظر جميلة، لا يستطيع أن يبلغ جوهر الجمال. أما في العلاقات القائمة على الذات–الذات، فإن الاحترام يعمل تلقائيًا، ويقوم هذا المنهج على المساواة والحرية والتكامل. فالوعي الذي تحقق بذاته لا يُحوّل أحدًا إلى موضوع. غير أن أكثر نقاط العمى لدى الإنسان غالبًا تكمن هنا بالذات: فإذا كان هناك في الداخل وعي خفي قائم على تحويل الآخر إلى موضوع -أي على الاستغلال- فإن الإنسان يبحث عن أنماط من السلبية تشبهه، دون أن يدرك حتى سلبيته هو.

 

[5]  يصف الكاتب الشهير إدوارد إستلِن كامينغز (1894–1962) هذه العملية بقوله: «أن تبقى على طبيعتك في عالم يعمل ليل نهار بكل قوته ليجعلك شبيهًا بالآخرين، يعني أنك تخوض أصعب معركة في هذا العالم. وما إن تبدأ هذه المعركة، فإنها لا تنتهي أبدًا».

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com