السريانية: لغةُ الأم ولغةُ الأصل - Karyo Hliso
Yusuf Begtas:

السريانية: لغةُ الأم ولغةُ الأصل

Mlfono Yusuf Beğtaş
السريانية: لغةُ الأم ولغةُ الأصل

السريانية: لغةُ الأم ولغةُ الأصل

إنّ اللغة من أهمّ العناصر التي تُعرّف هوية المجتمع وتُشكّلها. فبفضل اللغة يتمكّن الناس من التعبير عن أنفسهم، والتواصل، ونقل تراثهم الثقافي إلى الأجيال القادمة. وبما تولّده من شعور بالانتماء، تُقوّي اللغة الروابط بين الجماعات، وتجمع الأفراد حول القيم والأهداف المشتركة.

واللغة تعكس تاريخ المجتمعات، وقيمها، ومعتقداتها، وأنماط حياتها. كما أنّ اللغة تُشكّل في الوقت نفسه رؤية الجماعة للعالم وطريقة تفكيرها. فكلّ لغةٍ لها بنية منطقية خاصة، وثروة لفظية متميّزة، وأساليب تعبيرٍ مخصوصة؛ وهذا يكشف عن الكيفية التي تُدرك بها الجماعةُ الناطقة بها العالمَ من حولها. وإذا فُقدت لغةٌ ما، فُقد معها ما تحمله من معرفةٍ وتقاليدَ وثراءٍ ثقافي. ومن أجل ذلك، فإنّ حماية اللغة وصونها أمرٌ بالغ الحيوية والأهمية، حتى يتمكّن المجتمع من الحفاظ على هويته واستمرار حياته الثقافية.

اللغة الأم ليست مجرّد وسيلة للتواصل

إنّ التقاء اللغة الأم مع الذاكرة الجمعية يؤدي دورًا بالغ الأهمية في حفظ الميراث الثقافي والتاريخي ونقله. لأنّ اللغة الأم ليست مجرّد وسيلةٍ للتواصل، بل هي كذلك كنزٌ يحفظ ذاكرة المجتمع، أي ماضيه، وتجاربَه، وتقاليدَه، وقيمَه، وينقلها. فالذاكرة الجمعية تشمل الذكريات المشتركة، والهوية المشتركة، والروابط الثقافية، بينما تُعدّ اللغة الأم الأداةَ الأساسية في التعبير عن هذه الذاكرة وإحيائها وإبقائها حيّة.

إنّ جميع اللغات تروي سرّ الإنسانية. غير أنّ اللغة التي لا تتغذّى من أصلها، ومن ثقافتها الأصلية، محكومٌ عليها بالزوال. ولا يمكن لأيّ مجتمع أن يواصل وجوده بعقليةٍ لا تنبع من ذاته، ولا تصدر عن ثقافته الخاصة. وحين يستطيع كلّ مجتمع أن يطوّر فكرًا كونيًّا منطلقًا من ثقافته الأصيلة، لكنه قائمًا على التفاعل المتبادل، فإنّ السلم الاجتماعي والوئام المجتمعي سيجدان معناهُما الحقيقي.

وينبغي لهذا النمط من التفكير ألا يسعى إلى تثبيت سطوته، أو إلى قمع الآخرين، أو إذابتهم، بل أن يتطوّر على هيئة تماسٍّ يخدم العدالة الاجتماعية، والسلام، والإنصاف، والتفاعل المتبادل، والإحياء. لأنّ كلّ ما في الكون، ما دام يساند فهمَ معنى الحياة وتطويره، فهو عادلٌ ونافع.

أمّا اللغة، فهي من أقوى القوى تأثيرًا في تحوّل المجتمعات.

ومن جهةٍ أخرى، قد يُنظر إلى اللغة أحيانًا من خلال مستوى الوعي الاجتماعي والسياسي، وقد تُفسَّر وتُقيَّم أحيانًا على النحو الذي يراد لها. غير أنّ هذا النوع من التلقّي والتأويل لا يرتبط بالقيم التي تحملها اللغة بقدر ما يرتبط بكيفية مقاربة الأشياء، وبكيفية فهمها. أمّا الأفراد أو الجماعات الصادقة، التي تمتلك وعيًا ثقافيًا عاليًا وتعرف مسار تطوّر اللغات، فإنها لا تقع في التناقض المتعلق بفهم اللغة وتأويلها على هواها، ولا تُقدِم على ذلك. بل على العكس، تظلّ في سعيٍ دائم إلى فهم الغاية الأساسية والنهائية الكامنة في اللغة، وإدراكها على وجهها الصحيح. وهي تتغذّى من تلك الأغذية الفكرية الكامنة في الخلفية، التي أنشأت اللغة وأمدّتها بأسباب النموّ، وتحرص على ذلك التغذي. لأن اللغة، منذ القدم، كانت وما تزال تشكّل العصب الرئيس للثقافة، وقد غدت قوةً بالغة التأثير في تحوّل الأفراد والمجتمعات، ولا تزال تؤدّي هذه الوظيفة.

ولكلّ لغة في تاريخ الإنسانية حكاية. غير أنّ للسريانية حكايةً ذات خصوصية، تتوزّع على ثلاثة مجالات مختلفة: التاريخ الماضي للسريانية، وتقلباتها التاريخية، وواقعها الخاص. ولا ريب أنّ فهم السريانية على نحوٍ أكثر موضوعية، وإدراك أهميتها، متوقفان على مزيدٍ من البحث والدراسة في هذه المجالات الثلاثة.

كانت مستخدمة على نطاق واسع في عموم الشرق الأوسط

ومن المعروف تاريخيًا أنّ السريانية، وهي امتداد للآرامية الشرقية، قد طوّرت معجمها اللغوي باقتباسه من الأكّادية-الآشورية والإفادة منه. كما أنّ أبجديات كثير من اللغات الأخرى قد تطوّرت اعتمادًا على النظام الأبجدي الأوليّ والقديم لهذه اللغة. ومن ثمّ، فإن علاقة السريانية باللغات السامية الأخرى، مثل العبرية والعربية، ترجع إلى اشتراكها معها في هذا الرصيد اللغوي المشترك. وإذا نظرنا إلى الأمر من الناحية الفيلولوجية، وجدنا أنّ الأكّادية كانت بمنزلة مهدٍ بالغ الأهمية للسريانية. ويتبيّن أنّ هذه اللغة كانت نقطةَ ارتكازٍ أولى في علاقة السريانية باللغات السامية، مثل السريانية والعبرية والعربية، بل وباللغات القريبة منها والمشتركة معها في القرابة.

ومع أنّ السريانية تُعَدّ لغةً شقيقةً للعبرية والعربية، فإنّه من المؤكّد أنّها أثّرت فيهما تأثيرًا عميقًا. وكانت السريانية يومًا ما لغةً واسعة الانتشار في عموم الشرق الأوسط، كما استُعملت أيضًا بوصفها إحدى ثمانية عشر نوعًا من الأبجديات ونظم الكتابة التي استخدمها الأتراك عبر التاريخ.

تحتل مكانة مرموقة في العالم المسيحي

وتحتل هذه اللغة مكانةً مرموقة في العالم المسيحي، لأنها اللغة التي تكلّم بها المسيح. ولها ثلاثة أنماط كتابية متقاربة في الهيئة، وهي: الإسترانجيلو، والشرقية (مَدنحايا)، والغربية (مَعربايا). ومن يستطيع قراءة أحد هذه الأنماط يستطيع أن يقرأ النمطين الآخرين بسهولة أيضًا. وكما تختلف اللهجات في كل لغة، فإنّ الأمر نفسه موجود في السريانية؛ إذ تنقسم إلى لهجتين: شرقية وغربية. فاللهجة السريانية الشرقية تُعرف في الاستعمال الشعبي غالبًا باسم الكلدانية أو الآشورية، أمّا اللهجة السريانية الغربية فتُسمّى سريانيةً على الإطلاق. وإذا أُهملت أصوات الألف والواو التي تُنطق في أواخر الكلمات بين اللهجتين الشرقية والغربية، أمكن ملاحظة أنّه لا يوجد بين هاتين اللهجتين فرقٌ كبير يُذكر.

وللغة السريانية، إلى جانب لغة الكتابة والأدب، لهجاتٌ شعبية كذلك. وهذه اللهجات، وإن كانت تُظهر بعض الاختلافات الطفيفة بحسب الخصائص الإقليمية والمحلية، فإنها تنقسم في الأساس إلى لهجتين رئيستين. فاللهجة الشعبية التي يتحدث بها السريان الشرقيون تُسمّى آشوري أو سوريت، أمّا اللهجة الشعبية التي يتحدث بها السريان الغربيون فتُسمّى طوريو أو سورايت. والسريان المقيمون في الشتات يستخدمون في أحاديثهم اليومية لا محالة إحدى هاتين اللهجتين.

تحتضن أسرارَ بلاد الرافدين السرانية

تحتلّ السريانية، التي لها مكانةٌ أصيلةٌ في تاريخ الحضارة، أسرارَ بيت نهرين / بلاد الرافدين السرية وحزنَها. وبهذه الخصائص تُعدّ، بالنسبة إلى الجماعات السريانية التي تعيش في العالم، مسألةَ هويةٍ تتجاوز كونها لغةَ أمّ. فالسريانية هي حاملةُ الثقافة العضوية التي وُلدت في بيت نهرين (بلاد الرافدين) القديمة، ووارثتُها. وعلى الرغم من أنّ فاعليتها قد تضرّرت، فإنها تنطوي على صوتٍ معاصرٍ يحتضن القرون. وهي من أقدم لغات العالم، وقد نشأت من قلب الشرق، وصارت اللغة الرسمية للإمبراطورية الآشورية. وهي لغةٌ قديمةٌ من اللغات التي لعبت دورًا في تطوّر الحضارة.

السريانية، في تاريخ المسيحية، هي لغةٌ تطوّرت مع نشأة كنيسة أنطاكية، وهي تاريخٌ طويلٌ كدجلة والفرات نفسيهما. وهي لغةُ مدارس أنطاكية ونصيبين والرها جنديا سبور وقنسرين، التي تركت آثارًا في تاريخ الفكر والفلسفة والطبّ والتنجيم وغير ذلك من العلوم. وعلى الرغم من وجود عوامل أخرى في الخلفية الاجتماعية واللاهوتية والثقافية، فإنّ العمق المفهومي للسريانية هو الذي جعل حتى اللغة الطقسية المستخدمة في الكنائس تتطوّر بفضلها. وبفضل القوة التي تمتلكها مفاهيمها الخلّاقة، حازت شرفَ أن تكون لغةً طوّرت ونشرت التعليم المسيحاني.

السريانية تبحر إلى محيطٍ لا نهاية له

وفضلًا عن ذلك، فإنّ السريانية، بما قدّمته من إسهاماتٍ مهمّة إلى فكر الشرق والغرب، هي لغةٌ كان لها إسهامٌ جادٌّ في تطوّر المسيحية. وهي لغةٌ أدّت أدوارًا رائدة في تطوّر الفكر والفلسفة والوعي الروحي، وفي وصول الحضارة اليونانية إلى العالم العربي، وإلى قاراتٍ مثل شمال إفريقيا وأوروبا. وتُعرَف بطابعها المنفتح في الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية للمنطقة. وفي الفترات التاريخية التي كانت فيها فاعلة، أدّت وظيفةَ جسرٍ مهمّ في التفاعل بين الثقافات. وقد أسهمت في الفكر الشرقي والغربي، وفي تطوّر الحضارة والفلسفة والعقلانية الرشيدة. وقد وصل الأفق الذي فتحته في عالم الفكر إلى العالم العربي وأوروبا. وكان لها دورٌ كبير وأثرٌ عظيم في نقل العصور القديمة إلى العالم الإسلامي. وقد تميّزت، قبل كل شيء، بما قدّمته من إسهاماتٍ مهمّة إلى العربية وإلى الفلسفة الإسلامية. كما أسهمت في تطوّر الفكر الاجتماعي بما قدّمته من تراثٍ غنيٍّ ووعيٍ روحيٍّ إلى مختلف مجالات الأدب. وكلّما تكشّفت هذه الحقيقة اليوم عبر الدراسات العلمية، ازدادت الأهمية التاريخية للسريانية فهمًا، وازدادت قيمةً.

وهذه اللغة التي تنقل الماضي إلى المستقبل، تمتلك بطبيعتها معجمًا غنيًّا وعميقًا جدًا، ولها مفاهيمُ خاصة ومواضعُ للمعنى (habitat). وأصولُ التسمية والتأويل في السريانية تمتدّ إلى الموارد الخصبة للثقافة القديمة التي أزهرت في بلاد الرافدين العتيقة. وأيًا كانت الزاوية التي ننظر منها، فإنّ الطيفَ الدلالي الجذّاب للسريانية وقدرتها على إضفاء المعنى يُظهِران وجودَها بكلّ قوامها. وعندما تكون اللغة المستخدمة في البحث والدراسة هي السريانية، يبدأ عندئذٍ في المرء ماراثونٌ جميل من الجهد. فهو، وهو يسبح في بحرٍ عميق من الكلمات والمفاهيم، يبحر في الوقت نفسه نحو محيطٍ لا نهاية له.

كأنها كنزٌ مدفونٌ في الأرض

وكما هو الشأن في كلّ لغة، فإنّ الجهد في السريانية أيضًا، حين يُراد به الفهم وإضفاء المعنى، لا يقود دائمًا بسهولة إلى الوصول إلى المعاني الأصلية لـ«الجذور» كما يُظنّ. وعلى الرغم من الأعمال الجديرة بالتقدير التي أنجزها اللغويون في شأن السريانية على مدى بضعة قرون، فإنّني أرى أنّ الأسرار الكامنة في عمق هذه اللغة العتيقة لم تُجلَّ بعدُ كما ينبغي. وهي ككنزٍ مدفونٍ في الأرض؛ فإذا ما خرج إلى النور، فإنّ الحيّزَ القديم للحكمة في بلاد الرافدين سيُدهشنا، بما يحمله من نظامٍ مختلف تمامًا في تأويل الحياة وإنتاج المعنى، وبما يفيض به من ألوانٍ وأشكالٍ مبهرة تخطف الأبصار.

لأنّ السريانية كانت، عبر التاريخ، نقطةَ التقاءٍ لثقافاتٍ كثيرة، وقد أدّت دورًا مهمًّا في حفظ التراث الثقافي ونقله. ولا تزال هذه اللغة حتى اليوم عنصرًا رئيسًا في صون هوية الجماعات السريانية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

السريانية هي في آنٍ واحد لغةٌ أمّ، ولغةٌ أصل

ثم إنّ بين مفهومي «اللغة الأم» و«اللغة الأصل» فرقًا. وهذان المفهومان، على اختلاف دلالتهما، يسبّبان أحيانًا التباسًا في المعنى واضطرابًا في الفهم.

فكلمة «الأم» في مفهوم «اللغة الأم» لا تُستعمل بمعنى الوالدة، بل بمعنى: الأساس، والأصل، والمنبع، والمَنبِت، والجذر. وهذه التسمية بالغة الأهمية من جهة إظهار القوة التاريخية للغة. أمّا «اللغة الأصل» فهي اللغة التي تحتوي في داخلها لغاتٍ أخرى، أي لغةٌ تتضمن في بنيتها لغاتٍ فرعيةً ولهجاتٍ مختلفة؛ وهي اللغة التي تُعدّ مهدًا لعدة لغات، ومنبعًا تتفرّع منه اللغات القرينة.

واللغة الأم هي اللغة التي تُكتسب من الأسرة، ومن المحيط الاجتماعي، ومن البيئة اللغوية والثقافية القائمة، من غير أن تمرّ في العادة بعملية تعلّمٍ واعية منظّمة؛ وهي اللغة التي تُستعمل غالبًا في البيت، وفي الشارع، وفي الأوساط الاجتماعية. ولذلك فإنّ اصطلاح «اللغة الأم» يرتبط مباشرةً بالأم، ويعني اللغة التي يتعلّمها الإنسان من أمّه. وهذا يدلّ على أنّ اللغة الأم ترتبط، في الغالب، بأصلٍ عرقيٍّ معيّن وبسياقٍ ثقافيٍّ محدّد.

ويرى اللغويون أنّ عدد اللغات الأم التي كانت منبعًا للغاتٍ أخرى قليلٌ جدًا. فاليوم تُعَدّ اللغات الرومانية، مثل الفرنسية والإيطالية، لغاتٍ ثقافيةً كبرى، وهي فروعٌ من اللاتينية. ومن ثمّ، فإنّ اللاتينية تُعدّ لغةً أصلًا. وعلى هذا النحو، فإنّ السريانية أيضًا تُعدّ في الثقافة الإنسانية لغةً أصلًا ولغةَ منبع. أمّا بالنسبة إلى السريان، فإنّ هذه اللغة هي لغتهم الأمّ المباشرة.

من لا يعرف لغته الأم فهو يتيم

اللغة الأم هي أصل الإنسان؛ ومن لا يعرف لغته الأم فهو يتيم. وفي هذا السياق، لا يمكن تصوّر أن يُحرم أحدٌ في هذا العالم من لغته الأم. ولا يجوز أن يُمنع أيّ إنسان من تربية لغته الأم؛ بل ينبغي لكلّ واحد أن يتكلم لغته الأم بحرية، وأن يتعلمها، وأن يطوّرها. فذلك لأن اللغة الأم مقدّسة بقدر كرامة الإنسان وحقّه في الحياة.

إنّ معرفة لغةٍ غير اللغة الأم، أو تعلّمها، يشبه ارتداء ثوبٍ جديد؛ فالإنسان يستطيع دائمًا أن يلبس ثوبًا جديدًا. أمّا اللغة الأم فليست كذلك؛ إنها كالجلد للإنسان، ولا يمكن نزعها ثم لبس غيرها مكانها. ومع ذلك، فإنّ التعدد اللغوي أو معرفة لغةٍ أخرى يُعدّ ثراءً شخصيًا.

اللغة الأم مصدرٌ حيّ يمنح الإنسان الروح مع حليب الأم. وقد عبّر كونفوشيوس (551-479 ق.م) عن ذلك بقوله: «لإهلاك شعبٍ ما لا حاجة إلى السلاح؛ يكفي أن يُنسى لسانه».

موت اللغة يعني موت الإرث

أما الكاتب السرياني الديار بكري مالفونو نعوم فائق (1868-1930) فقد شدّد على أهمية اللغة الأم بهذه الكلمات: «الإنسان الذي لا يعرف لغته الأم لا يستطيع أن يعرف لماذا وُجد».

ولهذا فإنّ موت لغةٍ ما يعني زوال الشعب الذي يتكلمها، وزوال الإرث الذي صيغ بها. لأن اللغة ليست مجرد أداة للتفاهم بين الناس، بل هي أيضًا وسيلةٌ لنقل المعرفة والحكمة إلى المستقبل، وتطوير الصلة بين الماضي والمستقبل. ومن ثمّ فإنّ حياة اللغة الأم مرتبطة مباشرةً بالوعي الثقافي. وكما قال الكاتب السرياني-الماروني خليل جبران (1883-1931): «الصدق يجعل جميع أفعالنا كريمة وجميلة».

إنّ بقاء لغةٍ عريقة مثل السريانية حيّةً وفاعلةً لا يتحقق بجهود من يحبونها ويعرفونها وحدهم. ففي هذه العملية، تؤدي الفكرة الاجتماعية، وإرادة منظمات المجتمع المدني، وروح المسؤولية، دورًا حاسمًا. ولكي تتحول هذه الجهود إلى فهمٍ متسقٍ ودائم، فإنّ دعم الأفراد الحساسين، والإدارات المحلية، والجامعات المعنية، أمرٌ بالغ الأهمية. إنّ هذا «الوفاء» ضرورةٌ كبرى لاستمرار السريانية.

لنبذل الجهد من أجل مستقبل السريانية

السريانية مثلُ تحفةٍ قديمة تزيّن عقد الحضارة؛ فهي في الثقافة الإنسانية لغةٌ أصل أو لغةٌ مصدر، أمّا بالنسبة إلى الشعب السرياني فهي لغة الأم، وتحمل معنىً عظيمًا. إنّ حمايتها وتطويرها يتوقفان على وعيٍ صادق وجهودٍ متسقة. وفي ظروف اليوم، نحن أحوج من أيّ وقت مضى إلى هذا الوعي وتلك الجهود.

وكما لا يعرف قيمةَ التحفة إلا الصرّاف، كذلك لا يدرك قيمة اللغة إلا من يعرفها معرفةً عميقة ويستوعب ثراءها. وعلى السلطات السريانية أن تبذل مزيدًا من الجهد والكدّ من أجل مستقبل السريانية المهددة. وعلى الأقل، ينبغي لهم أن يفكروا في هذا الأمر وأن يمعنوا فيه؛ لأن التفكير العميق يفتح أبواب الفهم والتطوير والتعلم.

ليُتذكّر! إنّ السريانية شريانٌ نابض في قلب التاريخ؛ وإمدادُه بالحياة يعني بعثَ قصةٍ أوشكت على النسيان من جديد.

 

ملفونو يوسف بختاش

رئيس جمعية الثقافة واللغة السريانية وادبها / ماردين

 

 

 


 
Please Leave Your Thinking

Leave a Comment

You can also send us an email to karyohliso@gmail.com